وإن قدّرت أن يكون " الكحل " هو الابتداء ، فجيّد بالغ ، وتأخيره كتقديمه . فكأنّك قلت : " ما رأيت رجلا الكحل في عينه أحسن منه في عين زيد " .
وكذلك لو قلت : " ما من أيّام أحبّ إلى اللّه فيها الصوم منه في عشر ذي الحجّة " ، كان هو الوجه إلّا أن تقدّم ، فتقول : " ما من أيّام الصوم أحبّ إلى اللّه فيها منه في عشر ذي الحجّة " ، أو تؤخّر " الصوم " ، ومعناه التقديم ، فيكون كتأخيرك " الكحل " في المسألة الأولى .
وتقول : " زيد أفضل منه عبد اللّه " و " رأيت زيدا أفضل منه عبد اللّه " . أردت : رأيت زيدا عبد اللّه أفضل منه ، فتجعله ابتداء وخبرا في موضع المفعول الثاني .
وأمّا قولهم : " مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون " ، و " مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون " .
فهذا على إضمار " إذ كان " ، و " إذا كان " ، واحتمل الضمير ؛ لأنّ المعنى يدلّ عليه .
والتقدير : مررت برجل خير منك إذا كان خير ما يكون إذا كنت خير ما تكون .
ومثل هذا قولك : " هذا بسرا أطيب منه تمرا " ، فإن أومأت إليه وهو " بسر " ، تريد : هذا إذ صار بسرا أطيب منه إذا صار تمرا ، وإن أومأت إليه وهو " تمر " ، قلت : هذا بسرا أطيب منه تمرا ، أي هذا إذ كان بسرا أطيب منه إذ صار تمرا ، فإنّما على هذا يوجّه ؛ لأنّ الانتقال فيه موجود .
فإن أومأت إلى " عنب " ، قلت : " هذا عنب أطيب منه بسر " ، ولم يجز إلّا الرفع ؛ لأنّه لا يتنقّل فتقول : " هذا عنب أطيب منه بسر " ، تريد : هذا عنب البسر أطيب منه .
فأمّا هذا البيت فينشد على ضروب [ من الكامل ] :
[ 335 ] -
والحرب أوّل ما تكون فتيّة * تسعى ببزتها لكلّ جهول
منهم من ينشد : " الحرب أوّل ما تكون فتيّة " يجعل " أول " ابتداء ثانيا ، ويجعل الحال يسدّ مسدّ الخبر وهو " فتيّة " ، فيكون هذا كقولك : " الأمير أخطب ما يكون قائما " ، وقد بيّنّا
هامش
[ 335 ] - التخريج : البيت لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 154 ؛ وأمالي ابن الحاجب 2 / 666 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 293 ، 2 / 178 ؛ والكتاب 1 / 401 ، 402 ؛ ولسان العرب 8 / 64 ( خدع ) ؛ ولامرئ القيس في ملحق ديوانه ص 353 .
اللغة : فتيّة : تصغير فتاة . بزّتها : ثوبها ، وبكسر الباء : هيئتها . الجهول : الطائش .