تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكافي ( دار الحديث ) — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
هامش
غفلوا عنه ؛ فلنفرض إنساناً أوتي سعة من المال والمنال والضياع والدار والعبيد والإماء ، ثمّ اختار واحداً من عبيده - وزوّجه إحدى جواريه - وأعطاه من الدار والأثاث ما يرفع حوائجه المنزليّة ، ومن المال والضياع ما يسترزق به في حياته بالكسب والتعمير . فإن قلنا : إنّ هذا الإعطاء لايؤثّر في تملّك العبد شيئاً والمولى هو المالك وملكه بجميع ما أعطاه قبل الإعطاء وبعده على السواء ، كان ذلك قول المجبّرة . وإن قلنا : إنّ العبد صار مالكاً وحيداً بعد الإعطاء وبطل به ملك المولى ، وإنّما الأمر إلى العبد يفعل ما يشاء في ملكه ، كان ذلك قول المفوّضة . وإن قلنا - كما هو الحقّ - : إنّ العبد يتملّك ما وهبه له المولى في ظرف ملك المولى وفي طوله لا في عرضه ، فالمولى هو المالك الأصلي والذي للعبد ملك في ملك ، كما أنّ الكتابة فعل اختياري منسوب إلى يد الإنسان وإلى نفس الإنسان ، بحيث لا يبطل إحدى النسبتين الأخرى ، كان ذلك القول الحقّ الذي يشير عليه السلام إليه في هذا الخبر . فقوله عليه السلام : « لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب » إلى قوله : « وأعطى على القليل كثيراً » إشارة إلى نفي مذهب الجبر بمحاذير ذكرها عليه السلام ، ومعناها واضح . وقوله : « ولم يعص مغلوباً » إشارة إلى نفي مذهب التفويض بمحاذيرها اللازمة ؛ فإنّ الإنسان لو كان خالقاً لفعله ، كان مخالفته لما كلّفه اللَّه من الفعل غلبة منه على اللَّه سبحانه . وقوله : « ولم يطع مكرهاً » نفي للجبر ، ومقابلة للجملة السابقة ؛ فلو كان الفعل مخلوقاً للَّه - وهو الفاعل - فقد أكره العبد على الإطاعة . وقوله : « ولم يملك مفوّضاً » بالبناء للفاعل وصيغة اسم الفاعل ، نفي للتفويض ، أي لم يملك اللَّه ما ملّكه العبد من الفعل بتفويض الأمر إليه وإبطال ملك نفسه . وقوله عليه السلام : « ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ، ولم يبعث النبيين مبشّرين ومنذرين عبثاً » الجملتان يحتمل أن يشار بهما إلى نفي كلّ من الجبر والتفويض ؛ فإنّ الأفعال إذا كانت مخلوقة للَّه‌قائمة به سبحانه ، كان المعاد الذي هو غاية الخلقة أمراً باطلًا ؛ لبطلان الثواب والعقاب إلى آخر ما ذكره عليه السلام ، وكان بعث الرسل لإقامة الحجّة وتقدمة القيامة عبثاً ، ولا معنى لأن يقيم تعالى حجّة على فعل نفسه ، وإذا كانت مخلوقة للإنسان ولا تأثير للَّه‌سبحانه فيها ، لزم أن تكون الخلقة لغاية لا يملك اللَّه تعالى منه شيئاً وهو الباطل ، وبعث الرسل لغرض الهداية التي لا يملكها إلّاالإنسان ليس للَّه‌فيها شأن وهو العبث . واعلم أنّ البحث عن القضاء والقدر كان في أوّل الأمر مسألة واحدة ، ثمّ تحوّلت ثلاث مسائل أصليّة : الأولى : مسألة القضاء وهو تعلّق الإرادة الإلهيّة الحتميّة بكلّ شيء ، والأخبار تقضي فيها بالإثبات ، كما مرّ في الأبواب السابقة .