وهكذا ، فإنه ليست الدنيا إلّا لكي « يتزوّد العبد من دنياه لآخرته ومن حياته لموته ، ومن شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة » « 1 » .
وبهذه النظرة الصائبة إلى الدنيا ، فإنها تكون للناس على نوعين :
الأول : من يغترّ بها ، ويعبدها ويفنى فيها .
الثاني : من يعبر منها ، ويتزوّد فيها ، ويكسب بها الآخرة .
ولا شك أننا لا يمكن أن نستغني عن الحدّ الأدنى من الدنيا إذ كيف تعيش ، وتعمل ، وتطيع اللّه ، وتنفع العباد إذا تركناها جملة وتفصيلا . وهل يمكن تصوّر ترك الدنيا كاملة إلّا في صورة الانتحار ، أو الإضراب عن الطعام والشراب حتى الموت ؟
إن الحدّ الأدنى من الدنيا ضرورة ، ولذلك لا يجري الحديث حول مشروعيتها وعدمه ، لأن الأمر ليس متروكا لنا ، مثلما الحفاظ على الحياة ضرورة . أمّا الحدّ الأعلى منها فهو غير ضروري ، بل إنه وبال على الإنسان ، لأن ما يزيد عن الحاجة غنمه لغيرك وغرمه عليك .
هامش
( 1 ) تنبيه الخاطر : ص 36 .