أمّهاتك من البلى ، كم مرّضت بكفّيك ، وكم عالجت بيديك ، تبتغين لهم الشّفاء ، وتستوصين لهم الأطبّاء ، مثّلت لك بهم الدّنيا مضجعك ، وبمصرعهم مصرعك .
يا نفس : أنهاك أن ترضي غير اللّه وتعرضي عنه ، فإنّه مانعك من الغير ولا يمنعك الغير منه .
يا نفس : إيّاك من دار أوّلها عناء ، وآخرها فناء ، في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، من صحّ فيها سقم ، ومن مرض فيها ندم ، ومن استغنى فتن ، ومن افتقر حزن .
( البحر الزجر المجزوء )
أحلام نوم أو كظلّ زائل * إنّ اللّبيب بمثلها لا يخدع
يا نفس : وطّني نفسك على ألم العبادة ، حتّى يصير ذلك خلقا لك وعادة ، فإنّ المقامر يلتذّ بالقمار ، وإن سلبه جميع ماله ، وكذلك اللّاعب بالحمام وإن طال وقوفه وتعبه في إرساله ، وإذا كانت النّفس بالعادة تستلذّ بالقبائح ، ويميل بالألف إلى غير المصالح ، فكيف لا تستلذّ الحقّ لو ردّت هذه إليه ، وألزمت المواظبة عليه .
يا نفس : فالأخلاق السّعيدة ، والأفعال الحميدة ، مكتسبة بالعادة ، والرياضة والإفادة ، ومثاله أنّه من أراد أن يصير في النّسخ حاذما ، وفي الكتابة فائقا ، فلا طريق له إلّا أن يتعاطى بجارحة اليد هذه الخصلة الجميلة ، ويواظب عليها مدّة طويلة ، فإذا طال عليه النسخ وضعا ، صدر منه حسن الخطّ طبعا ، وكذلك من أراد أن يكون فقيها ، وكره أن يكون سفيها ، فلا طريق إلّا أن يتعاطى أفعال الفقهاء ، ويتكرّر أقوال العلماء ، وكذلك من أراد أن يصير عفيفا حليما ، ومتواضعا كريما ، لزمه أن يدأب نفسه في التخلّق ، بآدابهم والتعلّق بأسنانهم .