في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النّار الحطب وتمحوها كما يمحو اللّيل النّهار .
وأمّا كونه ضررا في الدّنيا عليك : فهو أنّك تتألم بحسدك وتتعذّب به ولا تزال في كدّ وغم ، إذا أعداؤك لا يخليهم اللّه عن نعم يقضيها عليهم ، فلا تزال تتعذّب بكلّ نعمة تريها ، وتتألم بكلّ بليّة تنصرف عنهم ، فتبقى محزونا مغموما متشعّب القلب ضيق النّفس كما تشتهيه لأعدائك وكما يشتهي أعداؤك لك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجزت في الحال محنتك نقدا ولا تزول النعمة من المحسود بحسدك ، إذ لو كانت النعم تزول بالحسد لم يبق اللّه عليك نعمة ولا على الخلق ولا نعمة الإيمان أيضا لأنّ الكفّار يحسدون المؤمنين على الإيمان قال اللّه تعالى :
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( 69 ) « 1 » بل ما قدره اللّه من إقبال ونعمة فلا بدّ أن يدوم إلى أجل قدره اللّه ولا حيلة في دفعه ، بل كل شيء عنده بمقدار ، ولكل أجل كتاب ، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدّنيا ، ولم يكن عليه إثم في الآخرة .
وللّه درّ من قال في ذلك :
( البحر الرجز )
للّه درّ الحسد ما أعدله * بدأ بصاحبه فقتله
وأمّا أنّ المحسود ينتفع في الدّين والدّنيا فواضح .
أمّا منفعته في الدّين : فهو أنّه مظلوم من جهتك لا سيّما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه ، فهذه هدايا تهديها إليه بانتقاله حسناتك إلى ديوانه حتّى تلقيه مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدّنيا عن النعمة فأضفت له نعمة إلى نعمة ، وأضفت لنفسك شقاوة إلى شقاوتك .
وأمّا منفعته في الدّنيا : فهو أنّ أهمّ أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمّهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ، ولا عيب أعظم ممّا أنت فيه من ألم الحسد ،
هامش
( 1 ) آل عمران : 69 .