الخير فيه إلّا إدبارا ، والشرّ فيه إلّا إقبالا ، والشيطان في هلاك النّاس إلّا طمعا ، فهذا أوان قويت عدّته ، وعمّت مكيدته ، وأمكنت فريسته .
اضرب بطرفك حيث شئت من النّاس فهل تبصر إلّا فقيرا يكابد فقرا ، أو غنيا بدّل نعمة اللّه كفرا ، أو بخيلا اتّخذ البخل بحقّ اللّه وفرا ، أو متمرّدا كأنّ بأذنه عن مسع المواعظ وقرا ، أين خياركم وصلحاؤكم ، وأين أحراركم وسمحاؤكم ، وأين المتورّعون في مكاسبهم والمتنزّهون في مذاهبهم ، أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدّنيا الدنيّة ، والعاجلة المنقضية ، هل خلّفتم إلّا في حثالة لا تلتقي بذمّهم الشفتان ، استصغارا لقدرهم ، وذهابا عن ذكرهم .
فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، ظهر الفساد فلا منكر مغيّر ، ولا زاجر مزدجر أفبهذا تريدون أن تجاوروا اللّه دار قدسه ، وتكونوا أعزّ أوليائه عنده ، هيهات لا يخدع اللّه عن جنّته ، ولا تنال مرضاته إلا بطاعته ، لعن اللّه الآمرين بالمعروف التاركين له ، والنّاهين عن المنكر العاملين به « 1 » .
وعن موسى بن جعفر ، عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إذا طفّفت أمّتي مكيالها وميزانها ، واختانوا ، وخفروا الذّمة ، وطلبوا بعمل الآخرة الدّنيا ، فعند ذلك يزكّون أنفسهم ويتورّع منهم « 2 » .
تشديد الإسلام إزاء البخس في الكيل والميزان :
قد شدّد الإسلام موقفه إزاء البخس في المكيال والميزان - التطفيف - كما نلمس ذلك من خلال كثرة التحذير منه في كتاب اللّه العزيز بألسنة مختلفة ، فتارة أثبت الويل لمن يزاول ذلك :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
( 1 ) ، وأخرى عدّ صاحبه من المفسدين في الأرض :
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
( 85 ) « 3 » ، وثالثة عدّة في زمرة الغافلين عن ذلك
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ج 2 ص 15 - 17 .
( 2 ) نوادر الراوندي ص 16 .
( 3 ) هود : 85 .