طالبين منه أن يكتب رسالة عنهم إلى عبد الملك بن مروان يعلمه فيها بفقرهم وشدّة حالهم فلربّما رثى لهم وأعانهم ببعض المال . فكتب لهم ما أمر به وسلمت الرسالة ولكن دون جدوى ، فقد أجاب عبد الملك : أنّ أي شخص يقتل يحذف اسمه من ديوان بيت المال .
ولما علم الشاب بالجواب واليأس الذي سيطر على ذوي القائد القتيل قال في نفسه : حانت الآن فرصة أداء الأمانة فلا بدّ من أن أضع القطع الذهبية تحت تصرفهم لإنقاذهم من الفقر والفاقة ، فدعا أسرة القائد إلى منزله وقال لهم : إنّ أباكم استودعني شيئا من المال وأوصاني أن أسلّمه إيّاكم عند الحاجة الماسّة إليه بعد أن أقتطع عشره ، فطار أبناء القائد فرحا لدى سماعهم النبأ وقالوا : سنعطيك ضعف ما أوصى به أبونا .
جاء الشاب بالمال وسلمهم إيّاه ، فأعادوا إليه ألفي دينار وأخذوا ثمانية آلاف ، ولم تمض أيّام على هذه القضية ، حتّى استدعى عبد الملك أسرة القائد القتيل إلى بلاطه ليحقق حول الرسالة ، وسألهم عن حالهم فأخبروه بما جرى لهم مع الشاب ، عندها استدعى عبد الملك الشاب فورا وأثنى عليه لأمانته وصدقه وسلّمه مسؤولية خزينة البلاد قائلا له : إنّني لا أعرف أحدا قد قام بأداء الأمانة كما أديّتها أنت « 1 » .
عباد اللّه ! ما أشرف الأوقات وقد ضيعتموها ، وما أجهل النفوس وقد أطعتموها ، وما أدقّ السؤال عن الأموال فانظروا كيف جمعتموها ، وما أحفظ الصحف بالأعمال فتدبروا ما أودعتموها ، قبل الرحيل عن القليل والمناقشة عن النقير والفتيل قبل أن تنزلوا بطون اللحود ، وتصيروا طعاما للدود في بيت بابه مسدود ، ولو قيل فيه للعاصي ما تختار لقال أعود ولا أعود :
( البحر الخفيف )
أين أهل الديار من قوم نوح * ثم عاد من بعدهم وثمود
بينما القوم في النمارق والاستب * رق أفضت إلى التراب الخدود
وصحيح أضحى يعود مريضا * وهو أدنى للموت ممن يعود
هامش
( 1 ) الشاب بين العقل والعاطفة : ج 1 ( لمحمد تقي فلسفي ) .