أما بره في طرفة عين يغشاك ، فقابلت ذلك بالغفلة وركوب الشهوات ، والمبادرة بالخطايا والزلات فنقضت عهده وعصيت أمره ، ودمت على إصرار وأطعت هواك ، وخالفت الجبّار .
أما آن لك أن تستحي ممّن شاهدك على المعصية ورآك ، ومع هذا الحرمان والبعد عن مولاك ، إن عدت إليه قبلك وارتضاك ، وإن لزمت خدمته قربك وأدناك .
دموع الخشية :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما من عبد يخرج من عينيه دموع من خشية اللّه تعالى ، فتصيب شيئا من حر وجهه إلّا حرمه اللّه تعالى على النّار » .
وفي هذا المعنى قال الشاعر :
( البحر الوافر )
بكت عيني وحق لها بكاها * على نفسي الّتي عصت الإلها
ومن أولى بطول الحزن منها * وبالآثام قد قطعت مداها
فلا تقوى تصد عن المعاصي * ولا تخشى الإله ولا تناهى
تتوب من الإساءة في صباح * وتنقض قبل أن يأتي مساها
وتنكث عهدها حينا فحينا * كأنّ اللّه فيه لا يراها
وتبعد عن حقوق اللّه عمدا * وتبغي دائما مالا وجاها
وقال مجاهد : بكى داود عليه السّلام أربعين يوما ، وهو ساجدا لا يرفع رأسه حياء من اللّه عزّ وجلّ ، حتّى نبت من دموعه المرعى وحتّى غطّى رأسه ، فنودي : يا داود أجائع أنت فتطعم ، أم ظمآن فتسقى أم عار فتكسى ، أم مظلوم فينتصر لك ، فنحب نحبة فهاج ما تم من الزرع فأنزل اللّه إليه التوبة والمغفرة .
فقال : يا رب اجعل خطيئتي في كفي ، فصارت خطيئته في كفه مكتوبة ، فكان يبسط كفه لطعام ، ولا لغيره حتّى يفيض من دموعه .
فقال : يا رب أما ترحم فأوحى اللّه تعالى إليه : يا داود نسيت خطيئتك وذكرت بكاءك .