حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا ، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا ، ووقتك بجميع جوارحها ، ولم تبال أن تجوع وتطعمك ، وتعطش وتسقيك ، وتعرى وتكسوك ، وتضحي وتظللك ، وتهجر النوم لأجلك ، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها ، فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون اللّه وتوفيقه » « 1 » .
وبرّ الوالدين ، وإن كان له طيبته ووقعه الجميل في نفس الوالدين ، بيد أنّه يزداد طيبة ووقعا حسنا عند عجزهما وشدّة احتياجهما إلى الرعاية والبر ، كحالات المرض والشيخوخة ، وإلى هذا أشار القرآن الكريم :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 ) .
ومن الواضح أنّ نكران الجميل ومكافأة الإحسان بالإساءة ، أمران يستنكرهما العقل والشرع ، ويستهجنهما الضمير والوجدان . وكلّما عظم الجميل والإحسان كان جحودها أشد نكرا وأفظع جريرة وإثما . وبهذا المقياس ندرك بشاعة عقوق الوالدين وفظاعة جرمه ، حتى عدّ من الكبائر الموجبة لدخول النّار . ولا غرابة فالعقوق - فضلا عن مخالفته المبادئ الإنسانية ، وقوانين العقل والشرع - دال على موت الضمير ، وضعف الإيمان ، وتلاشي القيم الإنسانية في العاق .
فقد بذل الأبوان طاقات ضخمة وجهودا جبّارة ، في تربية الأبناء وتوفير ما يبعث على إسعادهم وازدهار حياتهم ماديّا وأدبيا ، ما يعجز الأولاد عن تثمينه وتقديره .
فكيف يسوغ للأبناء تناسي تلك العواطف والألطاف ومكافأتها بالإساءة والعقوق ؟
من أجل ذلك حذّرت الشريعة الإسلامية من عقوق الوالدين أشدّ التحذير ، وأوعدت عليه بالعقاب العاجل والآجل .
هامش
( 1 ) رسالة الحقوق للإمام السجّاد عليه السّلام .