مكّة والمدينة » أعاذنا اللّه وإيّاكم من النّار ، ومن مقام الكفار فيها والفجار ، فلو رأيت أهل جهنّم شرابهم الحميم ، وكلّما اشتد جوعهم ليس لهم طعام إلّا من ضريع ، يا أهل الذّنوب والخطايا ألكم صبر على النّار ؟ كلا . إنّها لظى يساقون إليها من كل مكان ، إذا رأيتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ، وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ، لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ، فلو رأيتهم يوم تبدل الأرض غير الأرض ، والسّماوات غير السماوات وبرزوا للّه الواحد القهّار ، حلّت بهم المحن ، وظهر عليهم الغبار ، وجرت دموعهم كالأمطار ، والقلق قد أحاط بهم من جميع الأقطار .
( البحر البسيط التام )
أما سمعت بأكباد لهم صعدت * خوفا من النّار فانحطت إلى النّار
أما سمعت بضيق في مجالسهم * ولا قرار لهم يا صاح في النّار
أما سمعت بحيات تدب بها * إليهم خلقت من مارج من نار
فيا إلهي بأحكام وما سبقت * به قديما من الجنّات والنّار
أدعوك أن تحمي العبد الضعيف فما * للعبد من جسد يقوى على النّار
والشّمس ما لي عليها قط من جلد * فكيف يصبر ذو ضعف على النّار
وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « إذا سبق أهل النّار إلى النّار فتلقطهم بعنف ، فتنفخهم نفخة لم تترك لحما على عظم ، إلّا أبانته عن العروق ، وهم في توبيخ وعتاب ، وفي سجن وعذاب وفي حزن وعقاب » كما قال اللّه تعالى في محكم الكتاب :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
« 1 » فإنّهم كانوا يفرحون بدار الغرور ، وينسون النفخ في الصور ، ويفترون بالأماني والزور ، فقال : في حقهم من يعدل في حكمه ولا يجور الّذين كفروا لهم نار جهنّم ، لا يقضي عليهم فيموتوا ، ولا يخفّف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور لهم فيها بكاء وزفير وعذاب وسعير ، وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الّذي كنّا نعمل ، أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ،
هامش
( 1 ) النساء : 56 .