تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
محتوى كتاب العمل الديني وتجديد العقل لا يدخل في باب الفلسفة ، وإنما في باب علم الكلام ؛ فلم يجد هذا الباحث الحاجة إلى إجهاد نفسه طويلا ، حتى يعلم هل المحتوى الفكري لهذا الكتاب هو حقا من جنس المحتوى الفكري للكتاب الآخر ، بل كفاه غروره واشمئزازه من كل ما هو ديني ، بل من كل ما هو تراثي ، لكي يرسل حكمه إرسالا ؛ وفي هذا دلالة صريحة على أن المتفلسف العربي لم يبلغ بعد أشدّه ، حتى ينفتح صدره لتقبّل ما يخالف الكتابة ذات التوجه اللاديني واللاأخلاقي التي حشيت بها العقول وارتاضت عليها النفوس ، اختيارا أو اضطرارا . أما لو أن هذا الناقد أو ذاك كان على معرفة بتمام ما يجري في عموم الفكر الفلسفي الحديث ، غير محصور الأفق بما استأنس بتلقّيه في محيطه ولا مضيّق الصدر بما تعوّد على إنتاجه ، لتبيّن أن ما نكتبه يدخل في باب جديد من الممارسة الفلسفية ، إذ لم ينشأ هذا النوع من التفكير في أوروبا نفسها إلا في القرن السابع عشر ، أي بالذات في فترة اليقظة الغربية التي ما فتئ مفكرونا يدعوننا إلى تقليدها والتي تسمت باسم " عصر الأنوار " ، وقد أطلق على هذا الباب الفلسفي الجديد اسم " فلسفة الدين " . وبناء على هذا ، يتعيّن التفريق بين " فلسفة الدين " و " علم اللاهوت على طريقة رجال الدين من اليهود والمسيحيين " ؛ فهذا العلم يقضي بأن تتولى فئة مأذونة ذات سلطة مخصوصة من رجال الدين النظر في ذات الإله وصفاته وعلاقاته بالإنسان والعالم من أجل توضيح مضامينها ومقاصدها للفئات الأخرى لكي تأخذ بها من دون سواها ؛ بينما فلسفة الدين لا تتوسل بسلطة المؤسسة الكهنوتية ، وإنما بسلطة العقل ، ولا تتفكر في ذات الإله ، وإنما في ذات الإنسان في علاقته بالإله ؛ وبفضل استبدال فلسفة الدين سلطة العقل مكان سلطة الكهنوت واستبدالها النظر الإنساني مكان النظر الإلهي ، فإنها تكون عبارة عن ثمرة من ثمار حركة التحرر الفكرية التي اتصف بها عصر الأنوار . كما أنه يتعيّن التفريق بين " فلسفة الدين " و " علم الكلام على طريقة النظار المسلمين " ، إذ كان هؤلاء يتولون ردّ الشّبه والاعتراضات التي يوردها الخصوم والمبتدعون على العقيدة الإسلامية ، مدافعين عن مقوماتها بما أوتوا من الأدلة العقلية الملتزمة بقواعد المناظرة ؛ في حين فلسفة الدين لا تقصد الدفاع عن العقيدة ضد خصم معين ، وإنما تجديد الفهم لمكوناتها ومقتضياتها في سياق المستجدات