تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
الفراغ الذي يضرنا كما تسهم في الاستعداد لهذا التحول الذي ينتظرنا ؛ فلنمض إذن إلى بسط الكلام في هذه المعالم الإجمالية التي نعدها بمثابة عناصر أساسية في كل فلسفة أخلاقية تنبني على الدين الإسلامي وتكون قادرة على إصلاح الإنسان المنتظر .

1 - مسلمتا النظرية الأخلاقية الإسلامية

إذا كان لا بد لكل كلام ، كيفما كان ، من أن يبني نتائجه على مسلمات معينة « 3 » ، فلربما يكون الكلام في الأخلاق - كهذا الذي نخوض فيه الآن - أكثر من سواه اعتمادا على المسلمات ، لثبوت ثراء المجال الذي يتناوله واتصاله بأخفى جوانب الحياة الإنسانية ؛ لذا ، يجدر بنا أن نحدد المسلمات الرئيسة التي ينبني عليها كلامنا في هذا المقام ، ونكتفي هنا بذكر اثنتين منها مع إيراد توضيح لهما ، ما دام وضعهما كمسلمتين هاهنا لا يقتضي البرهان عليهما .

1 . 1 . مسلمة الصفة الأخلاقية للإنسان

مقتضى المسلمة الأولى للأخلاق الإسلامية أنه لا إنسان بغير أخلاق ؛ فلا يخفى أن الأخلاق الحسنة صفات مخصوصة الأصل فيها معان شريفة أو قل قيم عليا ؛ كما لا يخفى أنه ليس في كائنات هذا العالم مثل الإنسان تطلعا إلى التحقق بهذه المعاني والقيم ، بحيث يكون له من وصف الإنسانية على قدر ما يتحقق به منها ، فإذا زادت هذه المعاني والقيم زاد هذا الوصف وإذا نقصت نقص « 4 » ؛ تترتب على هذه المسلمة حقائق ثلاث ، " أن هوية الإنسان أساسا ذات طبيعة أخلاقية ؛ والثانية ، أن هوية الإنسان ليس رتبة واحدة ، وإنما رتب متعددة ، فقد يكون الواحد من الجماعة إنسانا أكثر أو أقل من غيره فيها ؛ والثالثة ، أن هوية الإنسان ليست ثابتة ، وإنما متغيرة ، فيجوز أن يكون الفرد الواحد في طور من أطوار حياته إنسانا أكثر أو أقل منه في طور سواه .
هامش
( 3 ) أي قضايا لا يستدل عليها واضعها ، بل تكون هي منطلق استدلالاته ، سواء أصرح بها كلّها أو بعضها أم لم يصرح بها عن قصد أو عن جهل ؛ إلا أن هذا لا يعني أنه لا يمكنه الاستدلال عليها في موضع آخر . ( 4 ) يقول ابن خلدون : " إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه ، فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة ، وبها الاعتبار " ، المقدمة ، مطبعة مصطفى محمد ، ص . 374 .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 147 | طه عبد الرحمن