العمق ، بل لا بد في ذلك من طلب أخلاق العمق ، وهذه ، على خلاف الأخرى ، تدعونا إلى الشروع في بناء حضارة جديدة لا يكون السلطان فيها ل " الوغوس " ، وإنما يكون فيها ل " الإيتوس " ( أي الخلق ) ، بحيث تتحدد فيها حقيقة الإنسان ، لا بعقله أو بقوله ، وإنما بخلقه أو فعله ؛ فلا مناص إذن من أن نهيئ الإنسان لحضارة " الإيتوس " ، متى أردنا أن يصلح في العاجل ويفلح في الآجل .
والاعتبار الثاني ، أن العالم ، بلا شك ، مقبل على تحول أخلاقي عميق في ظل ما يشهده من تحولات متلاحقة في جميع مناحي الحياة الفردية وميادين الحياة المجتمعية ؛ وإذا كان لا بد لهذه التحولات المختلفة من أن تفرز قيما ومبادئ ومعايير أخلاقية جديدة ، فلا يبعد أن يلجأ سادة هذا العالم إلى وضع نظام أخلاقي عالمي جديد كما هو شأنهم مع النظام التجاري العالمي ، وإن كان هذا النظام الأخلاقي الجديد قد لا يرى النور إلا بعد الفراغ من وضع سلسلة من أنظمة عالمية متعددة أخرى : اقتصادية وسياسة وعسكرية وإعلامية وثقافية ؛ ومرد هذا التأخير إلى سيادة تصور للأخلاق يجعلها تابعة ولا حقة لهذه الأنظمة الأخرى ، لا متبوعة وسابقة عليها « 1 » .
والاعتبار الثالث ، أن هناك غيابا كليا للمساعي التي تعمل على تجديد النظر في الأخلاق الإسلامية بما يجعل هذا النظر يضاهي الفلسفات الأخلاقية الغربية الحديثة ، ولا بالأولى يجعله يواجه التحدي الأخلاقي المقبل ؛ وهذا الغياب المؤسف لن يزيد المسلمين إلا تضعضعا في مركزهم ، ولا سيما أنهم لا يملكون ، على ما يبدو في الأفق القريب ، إلا ما انطوى عليه الإسلام من القيم الأخلاقية والمعاني الروحية لتثبيت وجودهم وقول كلمتهم في الحضارة العالمية المنتظرة « 2 » .
وبناء على هذه الاعتبارات الثلاثة : " الضّرر الخلقي لحضارة اللوغوس " :
و " التحول الأخلاقي المنتظر " و " الفراغ الأخلاقي الإسلامي " ، نريد هاهنا أن نرسم جملة من المعالم الأساسية لنظرية أخلاقية إسلامية تسهم قدر الإمكان في ملء هذا
هامش
( 1 ) في نظرنا هذا التصور السائد للأخلاق باطل ، فلا شيء أخص بالإنسان من الأخلاق ، فتكون هي الأصل وغيرها تابع لها .
( 2 ) نستعمل صفة " المنتظر " لوصف الحالة التي سوف يكون عليها العالم في المستقبل القريب ، حضارة وإنسانية ، فنقول : " العالم المنتظر " و " الحضارة المنتظرة " و " الإنسان المنتظر " و " الإنسانية المنتظرة " الخ .