تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥

الفصل السادس الهوية الإنسانية في أفق العالم المنتظر : كيف نضع لها تحديدا أخلاقيا ؟

لقد اتضح لنا في الفصول الأربعة الأخيرة كيف أن الحضارة الغريبة الحديثة - التي هي حضارة " اللوغوس " - ذات وجهين : عقلي وقولي وذات شقين : معرفي وتقني ، وكيف أن هذين الوجهين وذينك الشقين ، وإن قصدا تلبية حاجات الإنسان المختلفة والمتزايدة ، فإنهما يضران بأخلاقيته بقدر يهدّد إنسانيته ؛ فالوجه العقلي من هذه الحضارة يقطع عنه أسباب الترقي في مراتب الأخلاق ، والوجه القولي يضيّق نطاقها ويجمّد حركتها وينقّص من شأنها ، والشق المعرفي يخرجها من الممارسة العلمية ويفصلها عن المعاني الروحية ، والشق التقني يعمل على استبعادها والاستحواذ عليها كما يحرص على أن يستبدل بها غيرها ؛ وما ذاك إلا لأن هذه الحضارة حضارة ناقصة عقلا وظالمة قولا ومتأزمة معرفة ومتسلّطة تقنية . ولعل حاجة المفكر المسلم اليوم إلى أن يتأمل في الممارسة الأخلاقية أشد منها في أي وقت مضى ، وذلك لاعتبارات ثلاثة : أحدها ، أن الآفات التي تحملها حضارة " اللوغوس " إلى الإنسان ، وهي ، كما ذكر ، أربعة أساسية : " النقص " و " الظلم " و " التأزم " والتسلط " ، والتي تؤذي الإنسان في صميم وجوده الأخلاقي بما ييأس معه من الصلاح في حاله والفلاح في مآله ، لا يمكن أن يخرج منها أهلها بمجرد تصحيحات وتعديلات يدخلونها على هذه الجانب أو ذاك من هذه الحضارة المتكاثرة ، نظرا لأن هذه التقويمات المحدودة ليست في قوة هذه الآفات الشاملة ، حتى تقدر على محو آثارها وسوءاتها الأخلاقية ؛ ولا أدل على ذلك من أنهم لا يكادون يفرغون من إجراء هذه الإصلاحات أو تلك حتى تظهر لهم من تحتها إفسادات أتوها من حيث لا يشعرون ، فيقومون إلى إصلاحها ، فيجدون مرة أخرى من الإفساد ما وجدوا من ذي قبل ، وهكذا من غير انقطاع ؛ وهذا يعني أن أخلاق السطح لا تنفع في الخروج من آفات