الفصل الرابع في أن أفعال اللّه تهدف إلى غاية مصالح العباد
يمضى التفكير المعتزلي متسقا مع المنهج العقلي مستندا إلى الأساس الأخلاقي لتفسير صلة اللّه بالعالم من ناحية وصلة الإنسان بالعالم من ناحية أخرى ، فبمقتضى عدله لا تصدر أفعاله تعالى إلا على وجه الصواب والمصلحة ، وبمقتضى حكمته يكون كل ما في العالم من أجل خير الإنسان أو رعاية لمصالح العباد على حد تعبيرهم « 1 » وسياق مذهب يقول باللطف الإلهى من أجل هداية الإنسان يقتضى تعليل الخلق الإلهى لتوخى الخير الإنسانى ومن ثم كانت نظريتهم في تعليل أفعال اللّه .
وليست نظرية المعتزلة في ذلك بمعزل عن التيارات الفلسفية المعروفة ، بل هي تمثل رأى المذهب الغائى في تفسير الظواهر الكونية ، هل هذه الظواهر طبيعية كانت أم عضوية تخضع لعلل غائية ومن ثم فإن وجودها يحقق كمالها أم أنها لا تخضع إلا لقوانين طبيعية أو آلية بحتة كما يرى الطبيعيون والآليون « 2 » ؟ أم أنها تخضع لمشيئة اللّه المطلقة دون علة أو حكمة كما يرى بعض المتكلمين كالأشاعرة .
إنه بمقتضى حكمة اللّه لا يمكن أن يكون الخلق عبثا وإنما كل شئ يدل على إحكام التدبير والنظام
« إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ »
« 3 » فكل ما في الكون لا بد أن يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة ،
هامش
( 1 ) الشهرستاني : الملل والنحل ، جزء 1 ص 55 .
( 2 ) كولبه : ترجمة الدكتور عفيفي ، المدخل إلى الفلسفة ص 210 ، 111 .
( 3 ) سورة القمر : آية 49 .