تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
تلك نظرة تخلع على الكون وما فيه من ظواهر تفسيرا أخلاقيّا من حيث استحالة تصور العبث في الوجود ، كما أنه تفسير متسق مع مبدأ العقل وليس مستمدّا من التجربة لأن العقل وحده هو الذي يضفى على الموجودات والظواهر تصور التدبير والنظام ؛ وإذا كان اللّه قد خلق كل شئ لعلة نافعة وغاية محمودة فإنه لا بد أن يوجد ذلك الكائن العاقل الذي يتعقل الموجودات ويدرك سر وجودها ، فلا يجوز عليه سبحانه أن يخلق الجمادات دون الأحياء بل لا يجوز عليه تعالى أن يخلق الأشياء إلا ليعتبر بها العباد ، ولا يجوز أن يخلق جسما لا يعتبر به راء « 1 » ومن ثم فإن اللّه ينادى الإنسان أن ينظر في ملكوت السماوات والأرض وأن يفكر ويتدر ثم أن يؤمن ويعتبر . ولو كان العالم كله مخلوقات غير عاقلة لما استحق أن يوجد إلى أن يوجد ذلك الكائن العاقل الذي يدرك قيمة الخلق ويقدره وليس ذلك إلا الإنسان ، لأنه وحده الذي يمكنه أن يدرك ذاته ويدرك ما حوله ويعتبر به ، إن ما كان من الخلق غير مكلف فإنما خلقه اللّه لينتفع به المكلف ممن خلق وليكون عبرة له ودليلا « 2 » ، وإذا خلق اللّه شيئا من الجماد وجب عليه أن يخلق حيّا وأن يتم عقله « 3 » ، فاللّه لا يخلق شيئا لا يعتبر به أحد من المكلفين . ويعترض ابن حزم على رأى المعتزلة بقوله : إن اللّه تعالى في قعور البحار وأعماق الأرض أشياء كثيرة لم يرها إنسان قط واعتراض ابن حزم في غير محله لأن قوله يتضمن العلم بوجود هذه الموجودات ولم يشترط المعتزلة رؤيتها الحسية كما لا يقصدون النفع المادي بها وإنما العبرة الأخلاقية بمقتضى العقل لا الحس بوجودها .
هامش
( 1 ) البغدادي : أصول الدين ص 72 - نشر مكتبة المثنى ببغداد . ( 2 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 291 . ( 3 ) الأسفرايينى : التبصير في الدين ص 63 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 84 | أحمد محمود صبحي