تحليل آخر للعدل لدى فيلسوف حديث ، يقول برجسون : الأفكار الأخلاقية كلها متداخلة ولكن فكرة العدالة أصلحها لأنها تشمل سائر الأفكار الأخرى ، إنها في كل الأزمنة تشير في الذهن أفكار المساواة والتعويض . . .
ثم يتساءل : ما ذا نفعل لو علمنا أنه لسلامة شعب ، لا بل لوجود الإنسانية ، هنالك في موضع من الأرض فرد من الأفراد برئ يعيش في عذاب دائم وألم أبدى ؟ قد نوافق على ذلك إذا كان هنالك شراب سحرى ينسينا هذا الشخص فلا نعرف من أمره شيئا ، أما إذا كان لا بد من معرفته والتفكير فلا ، ولا بد أن نذكر أن هذا الرجل يتحمل هذا العذاب الشديد لنستطيع نحن أن نعيش أو أن ذلك شرط أساسي للوجود على وجه العموم فلا ، لأن لا يوجد شئ قط خير من هذا ، لأن تنهار الأرض أهون وأيسر « 1 » .
ولنتساءل مع برجسون ، هل يمكن أن يصدر مثل ذلك عن اللّه ؟
حسب التفسير المعتزلي للعدل : لا ، يقول القاضي عبد الجبار : يستحيل أن يفعل اللّه ما فيه مفسدة لزيد ويختار الكفر عنده ثم يعذبه إذا آمن عنده خلق عظيم ثم يثيبهم ، فكل حسن لا يتم إلا بفعل قبيح فإنه تعالى لا يفعله « 2 » .
لا شك بعد ذلك أن العدل أنسب الصفات الإلهية تعبيرا عن اتجاه أخلاقي في علاقة اللّه بالإنسان ، بل لا شك أن المعتزلة لم يتخيروا صفة العدل ويجعلوها أصلا لهم وربما أهم أصولهم إلا لأن فلسفتهم ذات هدف أخلاقي قائم على أساس عقلي .
أما أن العدل من أهم أصولهم فليس ذلك لمجرد تسمية أنفسهم الفرقة العدلية وإنما لأن الأصول الثلاثة الباقية بعد التوحيد والعدل تلزم عن العدل وتلحق به ؛ يقول القاضي عبد الجبار : وقد جعلنا التوحيد
هامش
( 1 ) برجسون : منبعا الأخلاق والدين ، الترجمة العربية ص 75 / 77 .
( 2 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 13 ( اللطف ) ص 42 / 45 .