الأخلاقية في هذا الفهم للعدل إذا قورن بمفهوم العدل لدى الأشاعرة :
إن اللّه تعالى متصرف في ملكه وملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فالعدل وضع الشئ موضعه وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم « 1 » ، ذلك تعريف يبتعد عن الموقف الأخلاقي بقدر ما يقترب من تصورهم للقدرة والمشيئة الإلهية ، والقدرة صفة للّه مطلقة وليست متعلقة على الخصوص بإنسان مكلف ، ومن ثم فليس العدل عند الأشاعرة أهم صفات الفعل الإلهى من حيث إنه لازم عن القدرة وتابع للمشيئة ، ذلك الاختلاف بين الفرقتين في تصورهما للعدل محور كل اختلاف بينهما فيما بعد ، فسر المعتزلة جميع أفعال اللّه من حيث صلتها بالإنسان في ضوء العدل والحكمة وفسرها الأشاعرة في ضوء القدرة والإرادة ، والموقف الأول أخلاقي والموقف الثاني وجودي من حيث هو وصف للفعل الإلهى كفعل مجرد صادر عن ذات مطلقة بصرف النظر عن صلته بإنسان مكلف .
والتفسير اللغوي البحث للفظ العدل أدنى إلى المفهوم المعتزلي منه إلى الأشعري ، ففي لسان العرب : العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم ، ومن أسماء اللّه تعالى العدل لأنه لا يميل به الهوى فيجور في الحكم « 2 » .
على أن المشكلة ليست لغوية ولكنها تلقى الضوء على الموقف الفلسفي لكل فرقة حيث فسره المعتزلة بمعنى يقترب من العناية الإلهية بمقتضى ما يراه العقل ويحكم به وذلك اتجاه أخلاقي ، وفسره الأشاعرة بمعنى يقترب من القداسة الواجبة نحو اللّه وذلك اتجاه صادر عن الدين البحت .
على أنه قد يقال للّه أسماء أخرى يمكن أن تعد ذات منحى أخلاقي كالرحمة والرأفة والمغفرة فلما ذا يعد اختيار المعتزلة لصفة العدل أصلا من أصولهم دليلا على اتجاه أخلاقي في تفكيرهم وفلسفتهم ، ألا يعد ذلك نوعا من التكلف في التأويل والتعسف في الاستنباط ؟
هامش
( 1 ) المرجع السابق . ص 52
( 2 ) ابن منظور : لسان العرب ج 46 ص 430 طبعة بيروت .