تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
أريد أن أقول إن الإلزام الخلقي لا يمكن أن يشتق من الفكرة المحضة وحدها وإنما يلزم أن يفسح للإرادة إلى جانب العقل في الأخلاق ، ومن الخطأ تصور أن مهمة الفلسفة تنتهى عند وضع القواعد النظرية أو أن الجانب العملي خارج عن نطاقها ، لأن الفلسفة ليست مجرد فكر وإنما هي أسلوب الحياة ومن ثم كان إعجابنا وتقديرنا لسقراط ، وليست الأخلاق في جانبها العملي مجموعة من الحكم والأمثال والمواعظ ، فإن إرادة العمل لا تخلو من مشكلات يعوزها التبصر العقلي حتى لا تستحيل إرادة الخير إلى شر ولا تصبح إرادة الفضيلة عملا مرذولا لا يغنى عنه التسليم بأحكام الأخلاق أو اعتناق مبادئ الخير ولقد ذم الكتاب الكريم قوما « يحسبون أنهم يحسنون صنعا » « 1 » . أريد أن أخلص من ذلك إلى أنه في مقابل أصول الاعتقاد - أو ميتافيزيقا الأخلاق - توجد مشكلات العمل التي يجب أن يشملها البحث الفلسفي في المشكلة الأخلاقية وبذلك يتكامل النسق اللازم لدراسة الأخلاق حين يشتمل على النظر والعمل أو الاعتقاد والسلوك . على أن اجتياز المسافة بين الفكر والعمل ليس سهلا لأن للعمل مقتضياته أو مسلماته التي لا يتسنى قيامه إلا بها ، ولقد جعل كانط الأصول الميتافيزيقية مسلمات الأخلاق ، ولكن لما تبين أن هذه الأصول يمكن البرهنة عليها نظريّا على خلاف ما ذهب إليه كانط في نقده للعقل النظري فإن المسلمات الأخلاقية تصبح عناصر أخرى قد تختلف عن أصول كانط « 2 » . والمنهج الذي أختطه لهذه الرسالة والذي أراه ملائما لدراسة المشكلة الأخلاقية في حدود فكر ديني يبدأ من أصول الاعتقاد أو ميتافيزيقا الأخلاق ثم
هامش
( 1 ) الكهف : 104 . ( 2 ) تبدو قواعد العمل مناقضة أحيانا لأصول الاعتقاد ، فالإيمان بالقدرة المطلقة تبدو مناقضة لمسئولية الإنسان لأن هذه المسؤولية الأخلاقية تستلزم التسليم بالحرية سواء بمفهومها المعتزلي أم الصوفي كما سيتضح فيما بعد ، ولعل فكرة الحرية هي الوحيدة التي يلتقى عندها الفكر الإسلامي بفلسفة كانط باعتبارها مسلمة لا غنى عنها لقيام الأخلاق ، أما أن الحرية مسلمة أخلاقية وليست أصلا ميتافيزيقا فهذا ما ستفصح عنه فصول الرسالة .