فالاعتقاد بوجود اللّه مرهون بوجوده الحق ، والصدق في مطابقة أفكارنا وعقائدنا للوجود العيني للموضوعات .
وقد انتقد القاضي عبد الجبار المعتزلي في نص رائع استناد الحقيقة إلى الاعتقاد إذ يقول « 1 » : إن اعتقاد المعتقد لا يؤثر فيما عليه المعتقد ، لأنه لو أثر في ذلك لوجب أن يكون المعتقد على الصفة التي يختص بها اعتقاد المعتقد ، ولوجب أن يكون اعتقاده موجبا لكونه كذلك ، وهذا يوجب أن يكون اللّه تعالى موجودا ومختصّا بسائر ما هو عليه من جهتنا إذا اعتقدنا كونه كذلك ، وهذا يوجب أنه إذا اعتقد المعتقد في الشئ جوهرا سوادا أن يحصل بهذه الصفة وذلك بيّن فساده . . . والعلم باستحالة ذلك ضروري ، إنه يجب على هذا القول أنه إذا كان الإنسان قادرا على الاعتقادات المختلفة في الأمور أن يقدر على أن يجعلها على الصفات التي يصح أن يعتقدها فيها ، ويلزم عن هذا أن لا يكشف بطلان اعتقاده .
ولا تعلق للحقيقة باستحسان أو استقباح . . . فلا يجوز أن يعتقد أحد في الظلم أنه حسن ، ولو اعتقد ذلك لكان اعتقاده جهلا . . .
ولا يقاس ذلك على دواء قد ينفع زيدا ويضر عمرا حسب الشهوة والنفور ، فالضرر والنفع قد يتبع الشهوة والنفور وليس كذلك حال المذاهب .
خلاصة القول إن النظر سابق على العمل وإن الاعتقاد يتقدم السلوك ولا يتبعه وإن ما بعد الطبيعة موضوع استدلال عقلي ، وإن النسق اللازم لدراسة الأخلاق لدى مفكري الإسلام ، إن استوجب استناد القيم الأخلاقية إلى أصول ميتافيزيقية فما ذاك إلا لأن السلوك لا بد أن يتسق
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى في أبواب التوحيد والعدل ح 12 ص 47 / 52 .
استدراك : ينتقد القاضي عبد الجبار في الأصل أفكار السوفسطائية ، وليست آراء وليم جيمس في الاعتقاد إلا إحدى تطوراتها ، إذ الصلة واضحة بين هذه الآراء وبين القول بنسبية الحقيقة وأن الإنسان مقياس كل شئ .