تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
حتى لا يكون الدين تابعا لمدرج الأخلاق فإن بعض غير الإلهيين أرادوا استبعاد الدين عن الأخلاق كي تستقل الأخلاق ، ويستند هذا الرأي إلى أن سيطرة الدين على العلوم ومظاهر تفكير الإنسان كانت سمة العصور الوسطى حيث انحطاط التفكير ، وإن ازدهار العلوم صاحب استقلالها فلا أقل من استقلال الأخلاق ، ومن الناحية العلمية فإنه يمكن أن يكون الإنسان فاضلا دون أن يكون متدينا ، ذلك اتجاه شائع في العصر الحديث وقد مكن له انتشار مذاهب تنكر الدين وتلحد فيه : الشيوعية والتحليل النفسي والوجودية وغيرها مع تباين مجالاتها . ولكنه اتجاه مع شيوعه ينطوى على تصور خاطئ للدين والأخلاق معا ، ولا حاجة إلى أن نعيد القول بضرورة استناد الأخلاق إلى معتقدات وذلك لحاجة الإنسان كي يقف على أرض صلبة من الاعتقاد المتعلق بماضيه ( أصل نشأته ) وحاضره ( الغاية من وجوده ) ومستقبله ( مصيره بعد الموت ) حتى يجابه الفتن والأزمات التي قد تعصف بضعاف النفوس نتيجة خواء الاعتقاد ، ولندع أعظم فلاسفة العصر الحديث يعرض المشكلة ، يقول كانط : لنأخذ حالة إنسان فاضل ولكنه يجد نفسه خاضعا لإلحاح الاعتقاد أنه لا يوجد إله ، ومن ثم بصدد موضوع الأخلاق يؤكد أن لا حياة أخرى ، كيف يقدر مصيره الفردى تقديرا مستمدّا من القانون الخلقي الذي يوحى إليه العمل ، إنه يرى أن ذلك الاعتقاد لن يجلب له أية فائدة شخصية لا في هذه الحياة ولا في حياة أخرى بطبيعة الحال ، على العكس إنه يرى أن إرادته يمكن أن تكون باعثة على الخير بينما الناموس المقدس يوجه كل طاقاته ومن ثم فهو مجبر في فعله . . . وقد يصادف الخداع والعنف والغيرة ممن حوله في الحياة بينما قد يكون هو أمينا مسالما خيرا ومعه في ذلك آخرون فضلاء بصرف النظر عن حظهم من السعادة ، وكلهم يتعرضون لأحكام الطبيعة التي لا تعبأ بالقيم مثل شرور العوز والمرض ثم الموت وعنده كلهم