حياتهم الروحية والخلقية في الاعتقاد والعمل على السواء إلى عهد قريب « 1 » ، والكتاب مستند من الناحية العقائدية إلى آراء الأشاعرة ومن الناحية العملية إلى التصوف ، ولكنه لم يعد يشغل ما كان يشغله من تفكير المسلمين واعتقادهم طوال ثمانية قرون ، من حيث إن كثيرا من أفكاره لم تعد تتسق مع اتجاهات مسلم العصر الحديث ، وبالرغم من أنه كانت هناك محاولات لتهذيب الإحياء دينيّا وعمليّا باستبعاد الأحاديث غير الصحيحة وأفكار التواكل والخنوع فإن هذه المحاولات كان يعوزها الشمول « 2 » ، والكتاب مع ذلك لم يستنفد أغراضه لما يتضمنه من أفكار تتميز بالعمق والأصالة ما يكسبه الخلود ، ولكنه يحتاج إلى تغيير جذري شامل ، إنه من الناحية الشكلية على الأقل لا يتصور أن يحتكر أحد العلماء السيطرة على عقائد المسلمين طوال هذه القرون إلا أن يكون ذلك عن جمود .
ومن ناحية أخرى فإن الظروف التي أدت إلى ازدهار أفكار المعتزلة في القرن الثالث الهجري قد عادت من جديد وأعنى الدفاع عن الإسلام ضد هجمات المخالفين من الملاحدة والزنادقة وأصحاب الديانات الأخرى ، بل لعل الظروف أشد إلحاحا لبعث أفكار الاعتزال من جديد ، فإن الفكرة الدينية عامة والإسلام خاصة تواجه تيارات عاتية من المذاهب الفلسفية المعادية للدين لاستئصالها من قلوب المعتقدين ، وليس بين مذاهب المسلمين من له القدرة على الصمود ومواجهة هذه التيارات إلا النزعة العقلية للاعتزال فضلا عن أنها وحدها القادرة على تنقية التصوف مما علق به من انحطاط فكرى ومن روح تواكل انعزالية .
فإن صحت جهود علماء المسلمين من أجل أن تقدم لمسلم العصر
هامش
( 1 ) استدراك : هذا بالنسبة لأهل السنة أما للشيعة الاثني عشرية فدستور حياتهم كتابا ( الكافي ) للكليني ، ( وبحار الأنوار ) للمجاسى وهما بدورهما يحتاجان إلى تنقيح شامل .
( 2 ) انتقادات أهل السلف كابن تيمية وابن الجوزي للأحياء وخصوصا أفكار التواكل والخنوع فيه .