ويعارض ابن مسكويه الرهبنة والتصوف من حيث لا تحصل الفضائل للذين تركوا مخالطة الناس وتفردوا عنهم بملازمة المغارات في الجبال أو ببناء الصوامع في المفاوز حيث لا تتوجه ملكات الإنسان إلى خير أو شر ، فليست حياة الإنسان حياة زهد وإعراض وإنما هي حياة انسجام وتوافق بين مطالب الجسد والروح ومن ثم فإن الحكيم لا يتجرد عن لذة الدنيا تماما وإنما يضيفها إلى لذة الروح .
وبالرغم من معارضته الزهد والتفرد فإن فلسفته لا تخلو من جوانب تصوفية أو غيبية ، إذ السعيد التام هو من توفر حظه من الحكمة فهو ينعم بروحانيته بين الملأ الأعلى يستمد منهم لطائف الحكمة ويستنير بالنور الإلهى ويكون مستعدّا لقبول الفيض من المولى ولا بد لذلك من صرف القصد إلى الأمور الإلهية وقطع كل صلة بالمحسوسات حتى يصل إلى مرتبة الملائكة المقربين عن طريق العشق الإلهى من حيث إن السعادة الخالصة للّه عز وجل ثم الملائكة ثم المتألهين « 1 » .
ويستقصى ابن مسكويه البحث في أمراض النفس الخلقية من أجل ترويضها على التفكير حتى تصل إلى لذة لا تصل إليها بلذات البدن والمال والسلطان .
هذه آراء جديرة بالاعتبار من حيث إن ابن مسكويه هو أول من وجه الأنظار إلى الدراسات الأخلاقية بين فلاسفة الإسلام ومن حيث إنه قد حاول التوفيق بين النظر والعمل فضلا عن اهتمامه بتربية الأحداث كي يشبوا على الفضيلة .
ومن ناحية أخرى فإن فلسفته الأخلاقية من النظريات التلفيقية من حيث هي أمشاج من آراء أرسطو وأفلاطون وجالينوس وبرسن فضلا عن الشريعة الإسلامية .
هامش
( 1 ) ابن مسكوية : تهذيب الأخلاق - ص 198 .