تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
والرضا لأنه يتعذر على النفس أن تعيش في فراغ ، فليست الأخلاق مجرد سلوك يمارسه الإنسان وإنما لا يصدر السلوك إلا عن اعتقاد ، فالإيمان القلبي هو الذي يحرك الإرادة ، والإرادة تحرك السلوك « 1 » ، فأصول الاعتقاد عند مفكري الإسلام - على اختلاف مذاهبهم - تسبق العمل سبقا زمنيّا وعقليّا ، إذ كيف تمارس العبادات دون أن يسبقها إيمان « 2 » ، ولا اختلاف في ذلك بين شعائر الدين وبين قيم الأخلاق حيث يجب أن يسبق العمل اعتقاد يشيع في النفس حالة الرضا أو سكون النفس ومن ثم يكون السلوك وصدور الأخلاق عن الإيمان - أو عن أصول اعتقادية ليست في الفكر الإسلامي بوصفه فكرا دينيّا فحسب ، فقديما شبه فلاسفة من اليونان الأخلاق بثمار شجرة جذورها الميتافيزيقا ولا يعنى ذلك إلا ضرورة أن تستمد القيم الأخلاقية وجودها حين تمتد جذورها إلى أعماق الميتافيزيقا أو أصول الاعتقاد ومن ثم فإن الإيمان بمبادئ أولى ميتافيزيقية أو دينية أمر ضروري كي تستقيم الأخلاق . على أن المشكلة الأخلاقية في فكر ديني تتباين تماما مع النسق الكانتى في دراسة الأخلاق ، وليس التباين راجعا إلى الاختلاف بين الميتافيزيقا والدين إذ قد تتشابه موضوعاتهما ، وإنما يرجع الاختلاف إلى أن موضوعات ميتافيزيقا الأخلاق - وجود اللّه وحرية الإرادة وخلود النفس - هي عند كانط مسلمات لا يصادر على التسليم بوجودها إلا من أجل إقامة الأخلاق ، بينما هذه الموضوعات محل إيمان - في الاعتقاد الديني - لغير ضرورة أخلاقية ، فليست الأخلاق هي التي تقتضى وجودها إذ أن ذلك الوجود مستقل عن الأخلاق ، ويمكن للعقل النظري أن يستدل على ذاك الوجود . أريد أن أخلص من هذا إلى أن فرقة إسلامية كالمعتزلة حين تثبت
هامش
( 1 ) الغزالي : إحياء علوم الدين - 3 ص 64 . ( 2 ) الشرعيات العملية لدى فرق المسلمين تستند إلى الكلاميات الاعتقادية .