ولقد كانت فكرة السعادة محور الدراسات الأخلاقية لدى أرسطو ومن تبعه ، ولعل من افتقدوا الدراسات الأخلاقية في الفكر الإسلامي والذين أنكروا وجودها كان عذرهم في ذلك أن فكرة السعادة لم تشغل بال المفكرين الإسلاميين ، ولندع جانبا آراء الفارابي وغيره من فلاسفة الإسلام في السعادة لأنهم جعلوا من السعادة موضوعا ميتافيزيقيّا بينما لا يمكن أن تستقى السعادة إلا من الواقع وتمحص من بين الخبرات الجزئية كما فعل أرسطو ، أريد أن أخلص من ذلك إلى أن فكرة السعادة لا تشغل الدراسات الأخلاقية كلها بحيث ينكر على مفكري الإسلام دراساتهم الأخلاقية لأنهم لم يتناولوا السعادة ولم يشغلوا بها ، وليس ذلك لأن الدين قد حدد موضوعها وإنما لأنها بالرغم من أن كل الناس يسعون إليها فإنها مرتبطة بالواقع ومن ثم فهي متغيرة نسبية لا يمكن أن تتحد دائما مع الفضيلة أو الموقف الأخلاقي .
على أن استناد الأخلاق إلى أصول أولى ليس من أجل الضرورة والكلية فحسب ولا لكي تحتفظ الأحكام الأخلاقية بنقاوتها أو قداستها فقط ، وإنما لأن هذه الأصول موضوع اعتقاد أو إيمان ، ولا يتسنى قيام أخلاق بدون معتقدات على حد تعبير سانتهلير ، فالإيمان يجب أن يسبق العمل ، واليقين أساس طمأنينة النفس قبل أن تحدد لنفسها السلوك ، ومن الغريب أن فلسفة لا تعتد بالدين بل لعلها تجافيه قد أدركت ذلك ، لقد فكر أبيقور فيما يوفر للنفس حالة الطمأنينة أو السكون فأنكر الخوف من الآلهة والفزع من الموت ، ذلك أن من يعتقد أن الآلهة تراقبه تتركز أفكاره عند العمل على إرضائهم وخشية بطشهم ، كما أن من يخاف الموت يشعر بهمّ يستولى عليه ومن ثم فقد وجب تحرير النفس من هاتين الفكرتين المؤرقتين ، على أن حالة الرضا أو السّلام الداخلي
eixarata
حسب التعبير اليوناني « 1 » ليست في مجرد تنحية معتقدات تشوش الخاطر وتؤرق النفس ولكنها تقتضى معتقدات أخرى تشيع الطمأنينة
هامش
( 1 ) أندريه كريسون : المشكلة الأخلاقية والفلاسفة : ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود ص 77 .