تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
فيما عقد العزم على فعله ، وستنكشف لبصيرته عظم ذنبه وكثرة مظالم الناس عنده في أعراضهم وأموالهم وحتى في صالح الأعمال وسيجد نفسه قد ترك الإخلاص وتخلل عمله الرياء . ولكن هل يحسن أن يذكر التائب ذنبه من أجل أن يستشعر الوجل أم ينساه ؟ يذهب السرى السقطي وسهل التستري إلى عدم النسيان ولكن الجنيد يذهب إلى نسيانه ويرى أن المحققين لا يذكرون ذنوبهم حين توبتهم لما غلب على قلوبهم من عظمة اللّه ودوام ذكره ، فضلا عن أن المريد قد انتقل إلى حال الوفاء بعد الجفاء فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء « 1 » . ويرى الغزالي أن تذكر الذنب والتفجع عليه كمال في حق المبتدئ حتى يكثر احتراقه وتقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق وحتى يستخرج من ذكره الذنب الحزن والخوف والوازع عن الرجوع إلى مثله ، أما سالك الطريق الذي انكشفت له أنوار المعرفة ولوامع الغيب فقد استغرقه ذلك فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى ما سبق من أحواله « 2 » . ويشير الغزالي إشارة دقيقة بصدد من يلزمهم ذكر الذنب من أجل التوبة ، إذ يجب ألا يكون الذكر محركا للشهوة إذ المقصود هيجان الندم لا أن يحن المريد إلى لذته باستعادة ذكرى شهوته « 3 » . ويجعل الصوفية للتوبة منازل حسب المراحل التي تمر بها الخطيئة ، أول منازل التوبة حين تجول بالفكر خطرة سوء فيتيقظ الضمير قبل أن يعتقدها الإنسان وينوى فعلها فيصرف القلب عنها . وثاني هذه المنازل أن يغفل عن مراقبة النفس عند الخطرات حتى يعتقد الإنسان ما كره اللّه من أعمال القلوب كالعجب والكبر والحسد والشماتة ولكنه بعد الاعتقاد يتيقظ الضمير ويفزع الإنسان ويندم ويتخلف عن الخطرة ويقلع .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 46 . ( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ص 37 . ( 3 ) المرجع السابق ص 3827 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 260 | أحمد محمود صبحي