تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وليست التوبة على مجرد ما اقترف الإنسان من معاص في حق ربه كإغفاله الفرائض ، ولكنها توبة على ما ارتكبه في حق العباد ، بل إن هذه معاص أشد إلا أن يكون كفرا باللّه ، ومن ثم فليس بصادق في توبته من لم يرض الخصوم ويرد الحقوق ويعوّض المظالم لا ترده عن ذلك أنفة كاذبة أو خشية أن يضع قدره عند الناس « 1 » . ولا تكون التوبة عن ذنب دون ذنب أو عن الكبائر دون الصغائر أو أن يستعيض عن الشهوة بشهوة من حيث إن النفس البشرية إذا حرمت أبوابا من الشهوات طلبت شهوات أخرى تستريح إليها عوضا عما فطمت عنه من لذات وشهوات . وقد يظل الإنسان على بعض الذنوب دون أن يتوب بعد أن طالت به عادته فيسترها الهوى ويحول دون التوبة النسيان ، فلا يرى في بعض مظالمه أنها كذلك لغلبة الهوى وتبرير الشر ، فيخيل إليه أنه تاب عن جميع الذنوب بينما هو مصر على أكثرها ، ولا يفضح خدع النفس وسترها لأهوائها إلا مراقبة دقيقة ومحاسبة على كل ما بدر منها فيذكر حركاته وسكناته واكتسابه وإنفاقه ومظالم العباد عنده وليحاسب نفسه عن ماله فيما أنفقه وعن شبابه فيما ضيعه . كذلك قد يركن إلى المعاصي ويظل مصرّا عليها متعللا بأن الهداية من اللّه ، وأن لو تاب اللّه عليه يتوب ، ذلك التسويف من خدع النفس ، هل يأمن ألا يأتيه الموت بغتة دون توبة فيبوء بإثمه ؟ والواقع أن التوبة ليست أمرا يسيرا ، إنها ثقيلة على النفس ، ومن ثم فقد لزم اجتماع الهمّة حتى يقطع شغل الجوارح عن كل شئ ويمنع خطرات القلب عن كل ميل ، وكما أن الإنسان حين يريد أن يحسن شيئا من أمور عمله لا يشغل عنه بشئ إلا ما يستعين به على ما يريد أن يتفكر في أن يحكمه وينفذه
هامش
( 1 ) الحارث المحاسبي : الرعاية لحقوق اللّه عز وجل ص 68 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 258 | أحمد محمود صبحي