كذلك التوبة تقتضى قطع شغل الجوارح عن الدنيا وعن شهوات النفس .
وعليه أن يستعين لاجتماع الهمة وقوة العزيمة بما هو عتاب وتوبيخ ، كيف تطلب لذة عاجلة يعقبها ندم طويل ؟ ولا يزال التائب مع نفسه بين تحذير ووعيد يحذرها العاقبة ومغبة الهوى ويعدها برضا اللّه حتى يهيج منه الندم ويشيع في نفسه الحزن على ما اقترف ، فيثقل ذلك على النفس إذ لا تنعم بلذتها ولا تستقر في متعتها ، وإنما تصحب اللذة حيرة وتعقب الشهوة حسرة فتنحل عنها عقدة الإصرار ، غير أن من كثرت ذنوبه وطالت غفلته حتى ران على قلبه كثرة ما طبع عليه من ظلمات الآثام وأقذار المعاصي فإنه قد أعضل داؤه بعد أن أصبح عبد شهوته ، فإن أراد التوبة دعته نفسه إلى الملل والسأم والانصراف عن الفكر أو إلى التمني والتسويف ، على أنه يجب ألا ييأس من حاله ولا يقنط من إمكان التوبة والإقلاع عن الذنب وإن كان العلاج يطول والصراع شديد « 1 » .
ولا ينى الصوفية من أجل جمع الهمة أن يمنى الإنسان نفسه بالعوض عن فقد اللذات ونعيم الجنات بل لا ينبغي للمريد أن يطيل الفكر في كل ماله نظير في الدنيا كالحور والقصور فإن ذلك قد يحرك رغبته إلى طلب العاجلة دون الآجلة ، بل ينبغي أن يتفكر في لذة النظر إلى وجه اللّه . « 2 » ، والوقع أن الصوفية في كل المقامات والأحوال لا يجاهدون طلبا للجنة أو خشية النار ولكنهم في حال الخوف يخشون عدم القبول لافتقار الصدق والإخلاص وفي مقام الرجاء يحسنون الظن باللّه دون أن تخطر الجنة جزاء العمل بخاطرهم « 3 » .
ويستعين الإنسان كذلك من أجل جمع الهمة للتوبة المحاسبة والمراقبة حتى لا تستر النفس أهواءها ولا تبرر أفعالها لا فيما أقدمت الجوارح عليه ولكن
هامش
( 1 ) الحارث المحاسبي : الرعاية لحقوق اللّه ص 62 .
( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ص 38 .
( 3 ) القشري : الرسالة ص 61 .