الفصل الأول العمل أول الطريق : التوبة
إذا عقد المسلم العزم على أن يسلك الطريق الصوفي وأن ينتسب إلى الصوفية فعليه أن يدع حياته الأولى فيقطع صلته بماضيه وما كان فيه من إخوان سوء وشهوات نفس وزينة حياة ، ذلك هو أول مقامات المريدين ومنازل السالكين - مقام التوبة - حيث تجب التخلية قبل التحلية ، تخلية النفس من الشرور والآثام قبل تحليتها بالفضائل والأعمال الشريفة ، فعل المريد الندم على ما فات من المخالفات وترك الزلة في الحال وعقد العزم على عدم الارتداد إلى المعاصي .
ولا يكتف الصوفية بطلب توبة الجوارح عن الذنوب ، وإنما تنقية كاملة للقلب مما ران عليه مما اكتسبه الإنسان من الآثام ، فتكون توبة خالصة لا تبقى على صاحبها أثرا من المعصية سرّا ولا جهرا ، إنها ليست مجرد توبة عن المعاصي إنما هي توبة عن هم القلوب بالذنوب وعن هواجس النفس ووساوس الشيطان ، إن كل ما يطرأ على القلوب من خطرات السوء نقص يجب الرجوع عنه وخلو القلب منه ، قد لا يحاسب على ذلك في تشريع أو دين ، ولكن ذلك يجب حتى يصبح المريد بعد التوبة ذا نفس مطمئنة وقلب سليم ، ومن ثم فليزم أن تنحل عن نفسه عقدة الإصرار على ما كان من قبيح الأفعال وأن يقطع فضول الفكر من الباطن حتى تخلص النفس من كل سوء وتكون إنابة تامة إلى اللّه .
وليست التوبة مجرد كلمة استغفار تجرى على اللسان ولكنها تتمثل في العبرة من آثار العثرة وفي استشعار الوجد من عظيم الذنب مع قدرة اللّه ، فيهيج من التائب الندم على ما فرط في حق ربه وحق نفسه وذلك يقتضى اجتماع الهمة وصدق العزيمة .