الفصل الثاني في أن الذكر وسيلة الصوفية لتطهير النفس وقطع العلائق بشواغل الدنيا
المشكلة التي تواجه المريد حين يشرع في الطريق : كيف يمكن أن يدع حياته الماضية بكل ما فيها من شهوات وشرور ؟ كيف يقطع العلائق عن متع الحياة ؟ وكيف يصرف الهواجس التي تدعوه إلى الحسرة على ترك اللذات ؟ هل يعيش بعد حياته الصاخبة في فراغ وكيف يستأصل هموم الدنيا وشواغلها ؟
لا يحتاج المريد في أول الطريق إلى كثرة أوراد أو زيادة في الصلوات النافلة بقدر ما يحتاج إلى الذكر وذلك لقطع الأسباب عن الدنيا وشواغلها ومحو آثارها من القلب ، فالذكر وسيلة لتطهير النفس وتنقية الباطن والخروج من ميدان الغفلة .
ويشرح صاحب الرسالة أثر ذلك العلاج الحاسم مع المريد المبتدئ بقوله : يجب على الشيخ أن يلقنه ذكرا من الأذكار على ما يراه شيخه فيأمره أن يذكر ذلك الاسم بلسانه ثم يأمره أن يسوى قلبه مع لسانه ثم يقول له أثبت على استدامة هذا الذكر كأنك مع ربك أبدا بقلبك فلا يجرى على لسانك غير هذا الاسم ما أمكنك « 1 » .
فليس الذكر مجرد ترديد باللسان وإنما تفكير في عظمة اللّه وآلائه وفي تواتر إحسانه ونعمائه وتفكير في تقصير العبد عن الشكر وعجزه عن القيام بآداء حقوق اللّه واعتراف بظواهر النعم وبواطنها ، ففي الذكر تفكير وتأمل ،
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 102 .