تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
تفكير فيما اقترفه العبد في حق نفسه من ذنوب وآثام ، وتأمل في نعم اللّه عليه وما وجب عليه من الشكر ، فإذا ذكر الصوفي اللّه استغرق فيه بكليته وحضر مع اللّه بجمعيته فلم يشتغل بما سواه ولم يغفل عنه حتى يستولى جلال اللّه على قلبه بعد أن غاب الذاكر في ذكره حينئذ ينكشف له بصحة الذكر وبال الغفلة ويمحى من قلبه أثر كل علاقة وعلة لأن تعلق القلب باللّه يجعله فارغا عن كل ما سواه ، فلا محل لحظوظ الدنيا وحب الشهوات فضلا عن الخطايا والآثام ، فالذكر وسيلة لتخلية القلب من كل هم أو بالتعبير الفلسفي وسيلة لانفصال الذات عن كل موضوع خارجي أو عن التعلق برغبة ما ، وتلك مرحلة ضرورية لدى الصوفية في بدء الطريق من حيث إن المريد لا يسعى إلى مجرد تعديل السلوك وإنما إلى تحول جذري شامل حتى ينفصل تماما عن ماضية فيفطع العلائق بالدنيا كلية ويصبح فارغ القلب عن كل متع الحياة « 1 » . ولا شك أن الذكر هو وسيلة الصوفية إلى حياتهم الروحية الحقة حيث يستغرق الذاكر تماما في حضرة اللّه فيخرج من ميدان الغفلة إلى فضاء المشاهدة وأنوار المكاشفة وحيث ينعم الذاكر بالإشراقات القدسية والفيوضات الربانية متلذذا بأنسه باللّه واستغراقه فيه ، ومن ثم فضّل الصوفية الذكر على سائر الأعمال وميزوه على العبادات كالجهاد والصلاة إذ هو في رأيهم الغاية من الصلاة « 2 » . على أن الذي يعنينا هو الجانب الخلقي في الذكر ، ذلك أن للذكر جانبين ، جانب سلبى يفرغ فيه القلب من كل هم ؛ فما من زاد يتزود به السالك لمكابدة الأهواء ومجاهدة الشهوات مثل الذكر وما من وسيلة لتطهير القلب من كل هم إلا بالذكر ، ذلك هو الجانب الخلقي فيه ، أما الجانب الآخر ، حين لا يصبح للمريد إلا هم واحد هو اللّه ، ذلك هو الجانب
هامش
( 1 ) الغزالي : إحياء علوم الدين ج 1 ص 264 / 270 . ( 2 ) القشري : الرسالة ص 101 / 103 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 253 | أحمد محمود صبحي