مطلقة على نحو ما ذهبت بعض الاتجاهات الوجودية المعاصرة التي أرادت أن تحرر الإنسان من ماهيته باسم حريته فجعلت الحرية في الانفصال عن الماضي وعن الذات وعن العالم وعن كل شئ وتركته يعيش وحيدا في حالة من الهجر والعزل يمارس القلق باسم الحرية واليأس باسم التحرر ويعيش في ظلام عن كل شئ ، أما الصوفي فإذ يتحرر من النفس والعالم فإنه يجتاز مرحلة الانفصال إلى اتصال باللّه فهو من كل ما دونه حر لأنه للّه وحده عبد هو حر عن كل ما سوى اللّه وعبد في الحقيقة للّه ، والمرحلتان تتمان دون فاصل زمنى ، ففي الحرية تمام العبودية من حيث إنه قد أفنى مراداته وقام بمراداة سيده ، فالعبودية شهود الربوبية ، ومن أراد الحرية فليصل العبودية « 1 » .
ومفهوم الحرية لدى الصوفية قد غيّر مفاهيم ألفاظ أخرى كالفقر والعز والذل والإرادة والعبودية ، فليس الفقير الصوفي من لا يملك شيئا ولكن من لا يملكه شئ ، وليست العزة فيما يمتلكه الإنسان من ثروة وجاه وإنما فيمن ملك النفس ، كما أن الذل فيمن ملكته نفسه إذ لا رق أملك للإنسان من الشهوة « 2 » .
ويتضح في المفهوم الصوفي للحرية طرفاه المتناقضان حيث إرادة قوية تسعى للتحرر من كل رق وتقطع صلتهما بكل شئ من جانب ثم تلقى بنفسها في العبودية للّه مسلمة بالجبر المطلق من جانب آخر .
والحرية لدى القوم ليست وصفا للإرادة الإنسانية ولكنها مقام يسعون إلى بلوغه ، إنها ليست مسلمة يفترض وجودها ليتسنى بها قيام الأخلاق ، ولكنها غاية يسعون إلى تحقيقها وقيمة تحدد موقف الإنسان إزاء اللّه والعالم والنفس .
ذلك مفهوم مختلف للحرية مستمد من نهجهم الذوقى ، لقد طرحوا جانبا ذلك الجدل الذي لا ينتهى حول القضاء والقدر واستبدلوا به حرية مبدعة
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 100 والسراج الطوسي ( اللمعة ص 53 . والسلمى ) طبقات الصوفية ص 158 / 245 .
( 2 ) السلمى : طبقات الصوفية ص 215 .