أسباب الحياة أو متع الدنيا وإنما في البعد عن التعلق بنعيم الآخرة جزاء على الجهاد والعمل ، فالآخرة وإن كانت خيرا وأبقى ففي طلب نعيمها أو خشية جحيمها مظهر آخر لعبودية النفس ، ولكي يكون العبد حرّا فقد وجب ألا يكون تحت رق شئ من المخلوقات لا من أعراض الدنيا ولا من أعراض الآخرة « 1 » ، إن قوما عبدوا اللّه هيبة فتلك عبادة العبيد وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار وقوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار « 2 »
بل إن الصوفية في فهمهم للحرية يطلبون التحرر من السؤال أو الدعاء مقتدين بإبراهيم الخليل وهو ملقى في النار يقول لمن سأله طلب الدعاء : علمه بحالي يغنى عن سؤالي ، هذا الشبلي يرد على من قال له : ألا تعلم أنه الرحمن ، فيقول بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني .
ويتجلى المفهوم الصوفي للحرية في أزماتهم الروحية العنيفة ، هذا إبراهيم بن أدهم في لحظة تحوله من القنص ومظاهر الإمارة إلى التصوف والتجرد يسمع الهاتف : ألهذا خلقت أم بهذا أمرت فيتجرد عن كل شئ حتى عن ثيابه ليكون حرّا من كل متع الحياة التي كان يعيش في إسارها ، وهذا الغزالي يصف تجربتة : ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب . . . صارت شهوات الدنيا تجاذبنى سلاسلها إلى المقام ومناد الإيمان ينادى الرحيل الرحيل . . . فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ، وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع « 3 » ، فالغزالى في أزمته الروحية وفي تحوله إلى التصوف قد أعرض عن الجاه والمال والأهل والولد والأحباء وقطع تعلقه بالصيت والافتخار يثبت حريته من كل ما سوى اللّه .
فالتجربة الصوفية بما تنطوى عليه من تحول مفاجئ تمثل حالة الانفصال عن النفس والعالم سعيا للخلاص وطلبا للحرية ، ولكن الحرية الصوفية ليست
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 100 .
( 2 ) ابن الجوزي : صفة الصفوة ج 2 ص 53 .
( 3 ) الغزالي : المنقذ من الضلال ص 32 .