تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
لا يلزم القول إن الميت فاعل بعد موته ، ولكن وجد منه المسبب وهو حي عاقل ثم مات فحصل هذا بعد زمان ويكون عند وجوده فعلا لذلك الميت في الحقيقة وإن كان سبب وجوده قد تقدم ، ولا يقال إن تعلق وجوده أو عدمه ليس باختياره فيكون بمنزلة فعل غيره ، إن الفعل الواقع بعد موته واقع منه في الحقيقة من حيث اختبار سببه وأوجده على الوجه الذي يوجد هذا المسبب وقد كان يصح أن لا يفعله أو أن يفعله على وجه لا يولد هذا المسبب ، فيجب أن تكون هذه الأحكام متعلقة بالمسبب وهو ميت كتعلقها به وقد كان حيّا « 1 » . ولكن للمشكلة جانبا لم يحل ، إذا كان لم يستطع الفاعل أن يتحرز من وقوعه قبل موته فكيف يتسنى له أن يتوب عنه وقد وقع الفعل بعد موته ؟ هنا يقدم القاضي عبد الجبار حلا للمشكلة ، فليست التوبة على ما سلف من الذنوب فحسب ولكن الندم أحد مظاهر التوبة يمكن أن يكون على ما سيقع متى توقع الرامي خطأه وأيقن قتل المصاب ، ذلك أن الأمر هنا وإن كان لم يقع إلا أنه قد صار في حكم الواقع فيلزمه الندم ، أما إذا علم أن إصابة المؤمن خطأ لم تقع لم يجز أن يستحق العقاب لأن من حق الميت وهو الرامي أن لا يستحق العقاب على الفعل الواقع في حال موته طالما كان جاهلا أو غير متوقع لوقوعه « 2 » . ولكن الإنسان إذا سن سنة سيئة يعلم أنه يقتدى فيها ويعمل بها في المستقبل لأجل فعله لها فإنما يستحق العقوبة على فعله لا على فعل من اقتدى به من حيث إن المقتدى مختار ولكن يصير فعل غيره وجها يعظم إثمه « 3 » . بقي في المشكلة جانب ذكره الأشعري عرضا ولم يذكره تفصيلا ولكنه يدل على علو قدر المعتزلة في الأخلاق وأعنى به : هل تولد المعصية طاعة ؟
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 12 ص 473 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 12 ص 366 . ( 3 ) المرجع السابق ص 474 .