تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
لا يمكنه أن يتركه ولم يقصده ولا يستطيع أن يعدل عنه إلى غيره ؟ يبدو أن المشكلة لم تحل بعد بالنسبة لمدى مسؤولية الإنسان عن الأفعال المتولدة ، ومن ثم استقصى المعتزلة النظر في صلة العلة بالمعلول مكانا وزمانا . أما الصلة المكانية فقد ذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا يجوز أن يفعل الإنسان في شئ إلا بأن يمارسه غير أن آخرين لم يشترطوا ذلك « 1 » . وأما الصلة الزمانية وعلاقتها بالمسئولية فهل يجوز أن يتقدم السبب المسبب بوقت أم لا بد أن يصحبه ؟ وإن تقدمه زمانا فهل يمكن أن يكون قبل المسبب بوقتين أم لا يعد ذلك متولدا عنه ، وقد جوز بعضهم أن يتقدم السبب المسبب أكثر من وقت واحد « 2 » ، ويبدو أن هذا الرأي هو الذي أدى إلى أن يشاغب ابن الراوندي على المعتزلة قولهم بالتوليد ، حين نسب إليهم القول إن الموتى يقتلون الأحياء الأصحاء حقيقة لا مجازا وإن المعدومين يقتلون الموجودين ويخرجون أرواحهم من أجسامهم على التحقيق ، وقد ذكر الخياط في رده أن الأحياء القادرين على الأفعال في حال حياتهم وصحتهم تتولد عنهم بعد موتهم أفعال فتنسب إليهم هذه الأفعال ولا تنسب لغيرهم ، فإن إنسانا لو قذف إنسانا بسهم ثم مات القاذف قبل وصول السهم إلى المقذوف فآلمه وقتله فإن القاذف أحدث الألم والقتل الحادث بعد موته بالسبب الذي أحدثه وهو حي ، ويوضح الخياط مسؤولية القاذف فينكر أن يكون هذا فعلا للّه أو فعلا للسهم لأنه موات أو فعلا لا فاعل له فلا يبقى إلا أن يكون الفعل تولد عن الفاعل . وبرغم ما في منطق الخياط من قوة ووضوح فالمشكلة المتعلقة بالمسئولية لا زالت قائمة ، كيف يسأل الإنسان عن فعل وقع بعد موته ، وبموت الإنسان ينتهى عمله وتكليفه ؟ ويشرح القاضي عبد الجبار الموقف بقوله إن استحقاق المكلف العقاب أو الثواب لأجل فعل يوجد بعد موته بزمان
هامش
( 1 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين - جزء 2 ص 85 . ( 2 ) المرجع السابق : جزء 2 ص 87 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 183 | أحمد محمود صبحي