ولكن إذا تعذرت البرهنة على الحرية أو إثباتها نظريّا ألا يعنى هذا التشكك فيها ؟ والرد على ذلك أن الدليل الخلقي هو الدليل الوحيد على وجود الحرية ، ومن ناحية أخرى إذا كان لا يمكن إثباتها إيجابيّا فإنه يمكن نقض ما يلزم عن إنكارها على أسس أخلاقية أيضا ، وذلك ما ذهب إليه المعتزلة ، إن كل براهينهم على حرية الفعل الإنسانى براهين سلبية ، أو بالأحرى براهين خلف أو تمانع ، هذه البراهين هي التي جعلتنا نذهب إلى القول بأن حرية الإرادة لدى المعتزلة مجرد مسلمة لدواع أخلاقية أو عملية .
أولا - أدلة عقلية « لوازم فاسدة عن إنكار حرية إرادة الإنسان » .
( ا ) في أن نقض حرية الإرادة يتعارض مع العدل الإلهى :
1 - العبد مريد لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابا ( قضية المطلوب التدليل عليها ) .
الظلم فعل الظالمين والفساد فعل الفاسدين ، فلو أمر بالظلم والفساد لا تصف اللّه بذلك وذلك منه محال .
2 - القدرة الإلهية غير مؤثرة في وجود القبح والشرور ( قضية يراد إثباتها ) .
صدور القبح والشرور عنه إما عن سفه إن كان عالما بها وإما عن جهل إن لم يكن بها عالما ، وكلا الاثنين محال .
3 - الظلم والكذب لا يقعان إلا من جسم ذي آفة فالواصف للّه بالقدرة عليهما فقد وصفه بأنه جسم ذو آفة « 1 » .
4 - لو أراد القبيح من غيره لجاز أن يريدها من نفسه لأن حال مريد القبيح كحال فاعل القبيح وذلك يعنى أن يريد إظهار المعجزة على يد كذابين وأن ينفرد بالظلم وأن يعذب الأنبياء ويصيب الطغاة
هامش
( 1 ) الخياط : الانتصار - ص 27 .