أثارت كل الحملات على المعتزلة هي بدورها مقدورة للّه ، وليست قدرة الإنسان لدى أكبر متكلمي المعتزلة وأكثرهم تحررا وهو النظام إلا على الحركات في حيز أفعاله .
ولكن لماذا تبقى الإرادة الإنسانية حرة في مذهب تسوده فكرة الحتمية من كل جانب ؟ لا تعليل لذلك إلا لإمكان قيام الأخلاق ، فالحرية يجب أن تفترض كمبدأ لإمكان أداء الواجبات وقيام الوعد والوعيد ، وإذا افترضت على الإنسان التكاليف فإن الحرية صفة تحمل على الإرادة لإمكان أداء التكاليف على النحو الذي وجبت عليه .
ولموقف المعتزلة نظير في الفلسفة الحديثة ، فلدى كانط نحن لسنا أحرارا في مجال التجربة حيث خضوع حواسنا تماما للعالم الخارجي وتبعية علمنا لموضوعاته ولكن في مجال « الأشياء في ذاتها » فنحن أحرار ، ولا بد من استقلال الإرادة لما يلزم عن ذلك من إمكان قيام الأخلاق « 1 » .
وعلى نفس النمط يسبقه المعتزلة برأيهم : لسنا أحرارا فيما لا تعلق للتكليف به كبدء وجودنا أو نهايتنا أو صلة حواسنا بالمدركات وما نجده من طعوم وروائح ومسموعات ، بل كل ما في العالم من موجودات بفعل خلقة اللّه للأشياء وما طبعها عليه ، ولكن فيما يتعلق بالتكليف فهذا يقتضى التسليم بإرادة حرة هي بدورها مقدورة للّه .
وإذا كان لا تناقض بين حتمية الشئ في ظاهره وحرية الشئ في ذاته لدى كانط ، كذلك لا تعارض بين القدرة المطلقة للّه وبين ما يقتضيه التكليف من التسليم بإرادة للإنسان .
ومن ناحية أخرى إننا إذا بدأنا في استقصاء رأى المعتزلة في أصل التوحيد حيث اللّه منفرد في ذاته مطلق في صفاته التي هي عين ذاته فإننا لا نصل بذلك إلى إمكان قيام إرادة للإنسان إلى جانب إرادة اللّه
هامش
( 1 ). 082 . P , slaroM fo scisyhpateM eht fo selpicnirP latnemadnuF : tnaK