المقدمة الثانية : في أن الحرية لدى المعتزلة مشكلة أخلاقية وليست ميتافيزيقية .
حرية الإنسان أحد شقى مشكلة الجبر والاختيار ، تلك المشكلة التي عالجها المتكلمون وأغلب الفلاسفة على أنها مشكلة ميتافيزيقية بحتة أو بالأحرى مشكلة تمس صميم الاعتقاد وليست من مشكلات العمل ، أو بمعنى آخر هي مشكلة تتعلق بالأصول لا بالفروع ، ومن ثم كانت الحملة على المعتزلة بسبب موقفهم منها ، تلك الحملة التي تكاد تخرجهم من دائرة أهل السنة والجماعة بل ترميهم بالشرك والفسق .
والمشكلة ميتافيزيقية من وجهة نظر المجبرة من اتباع جهم الذين لم يجعلوا في الوجود من قدرة إلى جانب قدرة اللّه خالق أفعال العباد ، فليس للعبد من فعل أو صنع ، وإنما يضاف إليه فعله كما يضاف إليه لونه .
والمشكلة ميتافيزيقية كذلك من وجهة نظر خصوم المعتزلة الذين ألزموهم إثبات إرادة تحد من مجال إرادة اللّه وتعجز قدرته من حيث إنهم أثبتوا إرادة مستقلة للإنسان .
والبحث في المشكلة على هذا النحو من صميم موضوعات الميتافيزيقا البحتة طالما أنها تتعلق بالوجود ككل بصرف النظر عن مجالات العمل من أخلاق وسياسة وقانون .
والمشكلة ميتافيزيقية من وجهة نظر الوجوديين من المحدثين الذين عنوا بدراسة الوجود الإنسانى ككل فلم يجدوا ثمة فرقا بين وجود الإنسان وبين كونه حرّا ، ولم يقصروا البحث على مجرد الفعل الإنسانى الإرادى الذي تضفي عليه الأخلاق صفتي الخير والشر .
هذه تفرقة لا غنى عنها بين مجال الميتافيزيقيا وبين مجالات أخرى كالأخلاق والقانون ، ذلك أن فلاسفة كثيرين أنكروا الحرية في المجال