لا بد لهم من عقيدة تسند حكمهم إلى جانب القوة ، ولم تكن هذه العقيدة أو الأيديولوجية بمعنى أدق إلا الجبر ، فما من عقيدة تمسك زمام الأمر وتصرف الناس عن الثورة عليهم وعلى ولاتهم مثل عقيدة الجبر ، إن وصولهم إلى الحكم وأعمالهم ليست إلا نتيجة لقدر من اللّه قد قدر ، بذلك كان يمدحهم شعراؤهم « 1 » ويظاهرهم قراؤهم .
يذكر صاحب المنية أن مذهب الجبر قد حدث في دولة معاوية وملوك بنى مروان وأنه مستند إلى من لا ترضى طريقته ، ويذكر أن فريقا من الناس قد اشتكوا إلى عبد اللّه بن عمر : يا أبا عبد الرحمن إن أقواما يزنون ويشربون الخمر ويسرقون ويقتلون النفس ويقولون كان في علم اللّه فلم نجد بدّا ، فغضب ابن عمر قائلا : سبحان اللّه العظيم قد كان في علمه أنهم يفعلونها ولم يحملهم علم اللّه على فعلها « 2 » .
وتذكر المصادر أن عبد الملك بن مروان بعد أن قتل عمر بن سعيد خرج إلى الناس فقيه موافق له ليقول : إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ « 3 » .
ويذكر أن ابن عباس قد كتب إلى قراء مجبرة الشام يلعنهم لمظاهرتهم العاصين ولكونهم أعوان الظالمين الذين يحملون إجرامهم على اللّه وينسبون شر فعالهم إليه « 4 » .
ويذكر أن أول من قال بالقدر معبد الجهني وأنه أتى الحسن البصري مع عطاء بن يسار وقالا : يا أبا يسار هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ويقولون إنما تجرى أعمالنا على قدر اللّه « 5 » .
هامش
( 1 ) الأصفهاني : الأغانى ج 10 ص 99 وجولدتسيهر : العقيدة والشريعة ص 87 .
( 2 ) ابن المرتضى : المنية والأمل ص 7 .
( 3 ) ابن قتيبة : الإمامة والسياسة ج 2 ص 41 .
( 4 ) ابن المرتضى : المنية والأمل ص 8 .
( 5 ) ابن قتيبة : المعارف ص 225 والدكتور النشار : نشأة الفكر ج 1 ص 169 .