وفي قول آخر إن غيلان الدمشقي من أول من قال بالقدر وأنه حمل على ارتكاب المظالم باسم الحق الإلهى وأن قوله هذا قد أدى إلى مقتله على يد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك « 1 » .
ولسنا في حاجة إلى استقصاء أثر أقوال كل من معبد وغيلان في المعتزلة فذلك معروف ، ولكن الذي نريد أن نخلص إليه أن القول بالقدر أو إثبات حرية إرادة الإنسان ظهر كرد فعل لاتجاه غير أخلاقي : قوم يأثمون ويرتكبون الكبائر ثم يحملون على اللّه ذنوبهم ، فاقتضى الموقف الأخلاقي الدفاع عن شرعية التكاليف وإثبات مسؤولية الإنسان بنفي الجبر الذي يسلب الاختيار ، ومن ثم فإن القول بحرية إرادة الإنسان تقتضيها الضرورة الأخلاقية .
فإذا كان القول بالقدر لم ينشأ كرد فعل لفكرة الجبر بالمفهوم الصوفي الذي يرمى إلى الإيمان بمطلق إرادة اللّه فلا مبرر لاتهام المعتزلة والقدرية بأنهم انتقصوا - حين أثبتوا إرادة للإنسان - قدرة اللّه ومشيئته ، إذ لا متعلق بظروف نشأة فكرة القدر بالمفهوم المعتزلي بعقيدة القدرة المطلقة للّه .
غير أن هذه النتيجة في حاجة إلى مقدمات أخرى وإلى مزيد بيان ويكفى الآن إثبات أن فكرة القدر أو حرية إرادة الإنسان قد نشأت عن أصل أخلاقي كرد فعل للذين ينسبون إلى اللّه أوزارهم « 2 »
« سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا . . .
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . .
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 179 .
( 2 ) نستبعد رأى كل من جولدتسيهر ( العقيدة والشريعة ص 84 ) وماكدونلدmilsuM ygoloehTص 128 وغيرهما من المستشرقين وكذلك الدكتور ألبير نصرى جزء 2 ص 53 من فلسفة المعتزلة هذا الرأي الذي يهدف إلى رد نشأة فكرة حرية الإرادة بين المسلمين إلى أصل مسيحي لما في ذلك من تعسف يقصد به استبعاد كل أصالة في التفكير المعتزلي ولا يلزم إضاعة الوقت في تتبع أثر سوسن المسيحي في غيلان ، فالقول بالحرية لا تختص به العقيدة المسيحية بل ليست من أصولها على الإطلاق ( الدكتور النشار نشأة الفكر ص 346 ) .
( 3 ) سورة الأنعام آية 148 وتفسيرها المعتزلي بالمغنى جزء 6 ( الإرادة ص 247 وكذلك آية 20 من صورة الزخرف ) .