وهل يلزمه ترك القبائح كلها كي يكون مؤمنا .
ذهب النظام إلى وجوب ترك القبائح فهذا ألزم ما يقتضيه الإيمان فهو عنده اجتناب الكبائر « 1 » ، ولا حجة في إلزامات البغدادي على النظام ألا تكون الأقوال والأفعال إيمانا ومن ثم لا تكون الصلاة إيمانا « 2 » لأن النظام يقول : إن الفعل والترك كلاهما طاعة ، فيلزم أن تكون الصلاة طاعة لأنها فعل ومن ثم فهي إيمان ، غاية ما يلزم عن قول النظام أن من لم تنهه صلاته عن الفاحشة لا يسمى مؤمنا لأن الإيمان يقتضى الترك أولا .
غير أن سائر المعتزلة قد ذهبوا إلى أن الإيمان ليس مجرد ترك المحظورات والقبائح وإنما يقتضى العمل ، ولكنهم اختلفوا في قدر العمل الصالح اللازم للمرء كي يكون مؤمنا ، فذهب أبو الهذيل وهشام الفوطي وعباد بن سليمان إلى أن الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها بينما لم يجعل الجبائي النوافل جزءا من الإيمان « 3 » .
وليست المشكلة فيما يقتضيه الإيمان من القدر اللازم من العمل الصالح ، لأن من أثبت أن الإيمان يقتضى العمل فقد ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص ما أمكن أن تكون في الأعمال زيادة ونقصان ، وذلك ما أجمعت عليه المعتزلة ، يقول البغدادي : كل من قال إن الطاعات كلها من الإيمان أثبت فيها الزيادة والنقصان « 4 » ، ومن ثم يمكن أن تتفاوت درجات المؤمنين بقدر تفاوت صالح أعمالهم .
والآيات الكريمة بصدد إمكان زيادة الإيمان تناصر الموقف المعتزلي :
« وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً »
« 5 »
« لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
« 6 » ، وكذلك يتسق
هامش
( 1 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 304 - 305 .
( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 88 .
( 3 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 304 .
( 4 ) البغدادي : أصول الدين ص 252 .
( 5 ) سورة المدثر : آية 31 .
( 6 ) سورة الفتح : آية 4 .