ومع هذه الهيبة التي تفرض الإنصات إليه ، مهما تكن لجاجة من يسمعه نرى من الصادق تواضعا لتلاميذه والمقبلين عليه .
وهكذا العظماء تفرض المهابة طاعتهم ، ولكنهم موطئو الأكناف لعشرائهم ، وخصوصا الضعفاء ، ليدنوهم إليهم ، وليكونوا في حرية ورغبة وإرادة .
* * * تلك بعض سجايا الصادق ، وإنه ببعض هذه الصفات يعلو الرجال على أجيالهم ، ويرتفعون إلى أعلى مراتب القيادة الفكرية ، فكيف وقد تحلى بهذه الصفات وبغيرها .
ولقد نوّه إلى تلك السمات العالية من كان في عصره وأشاد بالإمام حتى أعداؤه ، عندما يعترفون بفضائله الخلقية والعلمية في تعامله معهم .
هذا هو ابن أبي العوجاء حينما يسمع أحد تلاميذ الإمام بعض أباطيله ، بحيث لم يمتلك نفسه غضبا فيخاطبه : يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه وأنكرت البارئ جل قدسه . . . أجاب ابن أبي العوجاء : « إن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق فما هكذا يخاطبنا ، ولا بمثل دليلك يجادلنا ، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت ، فما أفحش في خطابنا ، ولا تعدّى في جوابنا ، وإنّه للحليم الرزين « 1 » العاقل الرصين « 2 » ، لا يعتريه خرق « 3 » ولا طيش « 4 » ولا نزق « 5 » ، ويسمع كلامنا ويصغي إلينا ، ويستعرف حجّتنا حتّى استفرغنا ما عندنا ، وظننّا أنّا قد قطعناه ، أدحض حجّتنا بكلام يسير ، وخطاب قصير ، يلزمنا به الحجّة ، ويقطع العذر ، ولا نستطيع لجوابه ردّا ، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه » « 6 » !
هامش
( 1 ) أي : الوقور .
( 2 ) الحكم الثابت .
( 3 ) ضدّ الرفق .
( 4 ) الخفّة .
( 5 ) خفّة في كلّ أمر وعجلة .
( 6 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 58 .