فقسّمه فيهم ولا يعرفونه فلما مضى جعفر فقدوا ذلك ، فعلموا أنه كان أبا عبد اللّه « 1 » .
د - حلمه وسماحته :
إن الحلم والسماحة ، خلق قادة الفكر والدعاة إلى الحق . كما قال اللّه تعالى آمرا نبيه ، وكل هاد بل كل مؤمن :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 2 » .
ولقد كان الصادق سمحا كريما لا يقابل الإساءة بمثلها ، بل يقابلها بالتي هي أحسن ، عملا بقوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
« 3 » .
وقد ضرب المثل الأعلى في هذا الصدد ، فقد روي أن رجلا من الحجّاج نام في المدينة ، فتوهّم أنّ كيسه للنفقة قد سرق ، فخرج فرأى جعفر الصادق مصليا ، ولم يعرفه ، فتعلّق به ، وقال له : أنت أخذت همياني ! قال : ما كان فيه ؟ قال : ألف دينار .
فحمله إلى داره ، ووزن له ألف دينار ، وعاد الرجل إلى منزله ، فوجد هميانه ، فعاد إلى جعفر معتذرا بالمال ، فأبى قبوله ، وقال : شيء خرج من يدي لا يعود إليّ .
فسأل الرجل عنه ، فقيل : هذا جعفر الصادق .
قال : لا جرم هذا فعال مثله « 4 » ! .
وكان رقيقا مع كل من يعامله ، من عشراء وخدم ، ويروى في ذلك أنه بعث غلاما له في حاجة ، فأبطأ ، فخرج يبحث عنه ، فوجده نائما ، فجلس عند رأسه ، وأخذ يروّح له حتى انتبه ، فقال : « ما لك تنام الليل والنهار ؟ لك الليل ولنا النهار » « 5 » .
ه : - إكرامه للضيوف :
مدح اللّه عزّ وجلّ نبيه إبراهيم عليه السّلام بكرمه إذ قال في كتابه المبارك :
فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
« 6 » ، فأسرع إبراهيم عليه السّلام بتقديم ضيافة عظيمة ، لعلّ الضيوف جياع .
ويشعر هذا التصرف باستحباب الإسراع في تقديم القرى للضيف . فالضيف أسير مضيفه ، وتحت رعايته ، فينبغي إكرامه بالابتسامة والبشاشة والإطعام و . . .
هامش
( 1 ) محسن الأمين ، أعيان الشيعة ، مرجع سابق ، ج 4 ، ق 2 ، ص 140 .
( 2 ) سورة الأعراف ، جزء من الآية 199 .
( 3 ) سورة فصلت ، الآية 34 .
( 4 ) عبد الكريم هوزان الشافعي النيشابوري ، الرسائل القشيرية ، القاهرة ، ص 114 .
( 5 ) الكليني ، الأصول الكافي ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ط 3 ، 1388 ، كتاب الايمان والكفر ، باب الحلم ، ح 7 .
( 6 ) سورة هود ، جزء من الآية 69 .