ولا شك أن كثرة المتعلّمين الذين كانوا يحضرون في حلقة درسه ، أو الذين نقلوا عنه الأحاديث يظهر مدى عظمة شخصيته العلمية .
كان الحسن بن علي الوشّاء « 1 » يقول : « رأيت في مسجد الكوفة تسعمائة شخص يقول كل منهم حدّثني جعفر بن محمد » « 2 » .
ولذلك نطقت ألسنة العلماء جميعا بفضله « وبذلك استحق الإمامة العلمية في عصره ، كما استحقها أبوه وجده من قبله ، فقد كانوا جميعا أئمة الهدى يقتدى بهم ، ويقتبس من أقوالهم ، وقد عكفوا على علم الإسلام عكوف العابد على عبادته ، فخلفوا علما ، وخلفوا رجالا ، وتناقل الناس علمهم وتحدّثوا به » « 3 » .
ولقد خاض الإمام في عدة علوم ، وبلغ فيها الذروة ، فهو نجم بين علماء الحديث ، وكان ينادي : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي » « 4 » .
وساد علماء عصره في الفقه حتى إنه كان يعلم اختلاف الفقهاء ، ويروى في ذلك عن الإمام أبي حنيفة أنه قال : « قال لي أبو جعفر المنصور يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيىء له من المسائل الشداد ، فهيأ له أربعين مسألة ، والتقى الإمامان بالحيرة في حضرة المنصور ، ويقول الإمام أبو حنيفة في اللقاء : « أتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر الصادق بن محمد ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلمت عليه ، وأومأ فجلست ، ثم التفت إليه ، وقال : هذا أبو حنيفة . فقال : نعم ، ثم التفت إلي ، وقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه من مسائلك ، فجعلت ألقي عليه ، فيجيبني ، فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة ، ثم قال أبو حنيفة : « إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس » « 5 » .
وكان العلماء يتلقون عنه التخريجات الفقهية ، وتفسير الآيات القرآنية المتعلقة
هامش
( 1 ) حسن بن علي بن زياد الوشاء الخزار البجلي الكوفي المعروف بابن بنت إلياس من أصحاب علي بن موسى الرضا وله كتب منها : « ثواب الحج » و « المناسك » و « النوادر » ( محسن الأمين ، أعيان الشيعة 5 / 195 )
( 2 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، مرجع سابق ، ج 3 ، ص 263 .
( 3 ) محمد أبو زهرة ، الإمام الصادق ، مرجع سابق ، ص 55 .
( 4 ) المزي ، تهذيب الكمال ، مرجع سابق ، ج 5 ، ص 79 .
( 5 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، مرجع سابق ، ج 6 ، ص 258 ؛ المزي ، تهذيب الكمال ، مرجع سابق ، ج 5 ، ص 79 - 80 .