وهكذا يجب أن يكون القدوة ، يعيش آلام الناس ، ويشاركهم شظف العيش ، ويواسيهم بنفسه ، ويكره أن يتميز عنهم .
ز - حضور بديهته :
وكان الإمام الصادق حاضر البديهة تجيئه أرسال المعاني في وقت الحاجة إليها من غير حبسة في الفكر ، ولا عقدة في اللسان ، وإن مناظراته الكثيرة تكشف عن بديهة حاضرة ، فيجيب عنها من غير تردد ولا تلكؤ مبينا اختلاف الفقهاء فيها ، وما يختار من أقوالهم ، وما يخالفهم جميعا فيه .
وإن مناظراته التي كان يلقم بها الزنادقة وغيرهم الحجة ، ما كانت ليستقيم فيها الحق لولا بديهة تسعفه بالحق في الوقت المناسب .
قيل : إنّ ابن أبي العوجاء لمّا سمع بعض الحجج الدامغة من الصادق في العقيدة الإسلامية ، كان يفتّش عن دليل يتمسّك به للرّد على الإمام ، فمرّة جاء إلي جعفر بن محمد وجلس ساكنا لا ينطق بشيء ، فقال له الإمام : كأنّك جئت تعيد بعض ما كنّا فيه ؟
فأسرع ابن أبي العوجاء قائلا : أردت ذلك يا ابن رسول اللّه ! فقال الإمام : « ما أعجبك هذا ، تنكر للّه وتشهد أنّي ابن رسول اللّه ! » « 1 »
إن حضور البديهة من ألزم اللوازم لقادة الأفكار ، والأئمة المتبعين ، فلا توجد قيادة فكرية لعييّ في البيان ، ولا توجد قيادة فكرية لمن عنده حبسة في المعاني .
ح - هيبته :
أضفى اللّه تعالى على جعفر بن محمد الصادق ، جلالا ونورا من نوره ، وذلك لكثرة عبادته ، وصمته عن لغو القول ، وانصرافه عما يرغب فيه الناس ، وجلده للحوادث ، كل هذا جعل له مهابة في القلوب ، فوق ما يجري في عروقه من دم طاهر نبيل ، وما يحمل من تاريخ مجيد لأسرته ، وما آتاه اللّه من سمت حسن ، ومنظر مهيب ، وعلو عن الصغائر واتجاه إلى المعالي .
وقد التقى مرة بابن العوجاء ، فلما رأى الصادق واسترعى انتباهه ما عليه من سمت ، وأخذ الصادق يتكلم فلم يحر جوابا ، حتى تعجب الصادق والحاضرون ، فقال له : ما يمنعك من الكلام ؟ ويقول الزنديق : « بدا جلال لك ومهابة ، وما ينطق لساني بين يديك ، فإني شاهدت العلماء ، وناظرت المتكلمين ، فما داخلتني هيبة قط مثل ما داخلني من هيبتك » « 2 » .
هامش
( 1 ) باقر شريف القرشي ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 1 ، ص 168
( 2 ) أبو زهرة ، الإمام الصادق ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 69 .