بالأحكام الفقهية . والأحاديث التي وصلت إلينا من الإمام الصادق لا تختص بالفقه فقط ، بل وصلت إلينا منه أحاديث أيضا في مجال التفسير .
وقد عني بدراسة علوم القرآن ، فكان على علم دقيق بتفسيره ، وكان على علم بتأويله ، يعلم الناسخ والمنسوخ .
وروي أن ابن أبي العوجاء - من الزنادقة - سأل هشام بن الحكم ، فقال : أليس اللّه حكيما ؟ قال : بلى هو أحكم الحاكمين . قال فأخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
« 1 » أليس هذا فرض ؟ قال :
بلى ، قال : فأخبرني عن قوله عزّ وجلّ :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
« 2 »
أي حكيم يتكلم بهذا ؟ فلم يكن عنده جواب فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد اللّه فقال : يا هشام في غير وقت حج ولا عمرة .
قال : نعم جعلت فداك لأمر أهمني أن ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء قال : وما هي ؟ فأخبرته بالقصة فقال أبو عبد اللّه : « أما قوله عزّ وجلّ :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
يعني في النفقة وأما قوله :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
يعني في المودة ، فإنّه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة ، فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب ، قال : واللّه ما هذا من عندك » « 3 » .
ولقد اشتهرت مناظرات الإمام الصادق ، حتى صار ، ومرجعا للعلماء في كل ما تعضل عليهم الإجابة عنه من أسئلة الزنادقة وتوجيهاتهم ، وقد كانوا يثيرون الشك في كل شيء ويستمسكون بأوهى العبارات ، ليثيروا غبارا حول الحقائق الإسلامية .
وقد قال أبو شاكر الديصاني ( من الزنادقة ) : إنّ في القرآن عبارة تدل على أن الإله ليس واحدا ، فقد جاء فيه : « وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله » فبلغ ذلك الصادق ، فقال لمن بلغه ، وقد عجز عن الرد : « هذا كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه فقل له : ما اسمك في الكوفة ؟
فإنه يقول لك : فلان . فقل له : ما اسمك ، بالبصرة ؟ فإنه يقول لك : فلان ، فقل له : كذلك ربنا في السماء إله وفي الأرض إله ، وفي البحار إله ، وفي القفار إله ، وفي كل مكان إله « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة النساء ، جزء من الآية 3 .
( 2 ) سورة النساء ، جزء من الآية 129 .
( 3 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 202 .
( 4 ) أبو زهرة ، الإمام الصادق ، ج 1 ، ص 79 .