ومن كرم الصادق وسخائه حبه للضيوف وإكرامه لهم ، فكان - فيما يقول الرواة - يشرف على خدمة ضيوفه بنفسه ، وكان يأتيهم بأشهى الطعام وألذه ، وأوفره ، فعن أبي حمزة الثمالي « 1 » قال : كنا عند أبي عبد اللّه عليه السّلام جماعة فأتينا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا ، وأتينا بتمر ننظر فيه إلى وجوهنا من صفائه وحسنه ، فقال رجل : لتسألنّ عن هذا النعيم الذي نعمتم به عند ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال أبو عبد اللّه : « اللّه أكرم وأجل من أن يطعمكم طعاما فيسوغكموه ، ثم يسألكم عنه ، ولكن يسألكم عمّا أنعم عليكم بمحمد وآل محمد « 2 » . ويكرر عليهم القول وقت الأكل : « أشدكم حبّا لنا أكثركم أكلا عندنا » « 3 » .
فهو يحدثهم في أثناء الطعام ليطول جلوسهم على المائدة ، ويرفعوا الحياء عند الأكل ، وليكونوا في حال شغل بالأكل والمضغ ، والإمام يحدث رويدا رويدا ، فيبقى عندئذ على الطعام إلى آخر الضيوف .
و - تواضعه ومواساته للضعفاء :
ومن مظاهر شخصيته العظيمة نكرانه للذات وحبه للتواضع ، فقد جافى التكبر ، والاستعلاء على خلق اللّه ، وكان يرى ذلك من أفحش الصفات ، التي تهبط بالإنسان إلى قرار سحيق .
وكان من تواضعه أنه يجلس على الحصير « 4 » ، ويرفض الجلوس على الفرش الفاخرة ، وكان ينكر ويشجب المتكبرين وقد قال ذات مرة لرجل من إحدى القبائل : من سيد هذه القبيلة ؟
فبادر الرجل قائلا : أنا ، فأنكر الإمام ذلك ، وقال له : « لو كنت سيّدهم ما قلت : أنا » « 5 » .
وروي أنّه كان يقول لخادمه في أوقات حاجة الناس : « اشتر لنا شعيرا ، واخلط به طعامنا ، فإني أكره أن نأكل جيدا ، ويأكل الناس رديئا » « 6 » .
هامش
( 1 ) ثابت بن دينار الثمالي الأزدي بالولاء ، أبو حمزة ( . . - 150 ه ) من رجال الحديث الثقات عند الإمامية . وروى عنه بعض أهل السنّة . وهو من أهل الكوفة . قتل ثلاثة من أولاده مع زيد بن علي بن الحسين . وكان الرضا علي بن موسى يقول : هو لقمان زمانه . وكان أبوه مولى للمهلب بن أبي صفرة . له كتاب في تفسير القرآن وكتاب الزهد وكتاب النوادر . ( الزركلي ، الأعلام 2 / 97 )
( 2 ) أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، المحاسن ، دار الكتب الإسلامية ، طهران ، د . ت ، ج 2 ، ص 400 .
( 3 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، مؤسسة الوفاء ، بيروت ، 1983 ، ج 72 ، ص 450 .
( 4 ) ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، الهيئة المصرية ، القاهرة ، د . ت ، ج 5 ، ص 176 .
( 5 ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، دار صادر ، بيروت 1405 ، ج 1 ، ص 32 .
( 6 ) هاشم معروف الحسني ، سيرة الأئمة الاثني عشر ، دار القلم ، بيروت 1981 ، ج 2 ، ص 297 .