دعوة الناس إلى ما يثقل عليهم تركه بادئ ذي بدء ، لاعتيادهم على ممارسته أو حاجتهم إليه ، بل ينبغي دعوتهم إلى ما يسهل عليهم امتثاله ، لخفته على طباعهم وقربه إلى حياتهم لأن امتثال التكليف الشديد يتطلب قوة لا يملكها الإنسان في البداية » « 1 » .
فالمنهج الجيد هو القادر على استيعاب مدى نمو الإنسان باتجاه التكامل المطلوب ومن الصعب جدا تحديد المراحل التي يجتازها الإنسان في طريقه للصعود إلى القمة ، لأنه تحديد لا يقاس بالزمن ولا بالعمر ولا بأي شيء محسوس آخر ، إنه يقاس بمقدار استجابة الإنسان للموجه وللقيم التي يزرعها في نفسه .
ولذلك نرى بأن الإمام يستعمل في عرض إرشاداته ، أسلوب التدرج حسب مستويات الناس ، ولا يحمل على صاحب الخطوة الأولى ما يحمله على صاحب الخطوة الثانية تقديرا لعقلية المخاطبين ومستواهم ودرجة إيمانهم .
* سيادة الروح الأخلاقية :
من خصائص المنهج التربوي عند الإمام اهتمامه للقيم الأخلاقية ، وهيمنة هذه الأخلاق على كافة المجالات التربوية ، ذلك أن تطور الإنسان في الميادين العلمية ، والعقلية ، والاقتصادية ، والتقنية و . . . الخ من دون سيادة روح الأخلاق عليه ، سيفضي إلى طغيان الفرد وانحرافه وتمرده ، وإلى إصابة المجتمع أيضا بأضرار جسيمة .
من جهة أخرى ، رغم أن التربية الأخلاقية كانت موضع اهتمام الكثير من روّاد التربية وعلمائها الذين يشتركون في هذا الجانب مع تربية الإمام الصادق ، بيد أن السمة البارزة للمنهج التربوي عند الإمام هي أن الأخلاق تمثل ركنا أساسيّا في مدرسته الفكرية ، ولها الهيمنة على سائر المجالات التربوية ، أي أنها لا تقع بموازاتها .
وقد ذكرنا في الفصول السابقة نماذج من تأكيدات الإمام بشأن الاهتمام بالقيم الأخلاقية في المجالات العلمية والاقتصادية والمهنية وغيرها من المجالات .
ولهذا تتميز تربية الإمام بأنها تعمد إلى بناء الإنسان من داخله بناء خلقيّا سليما لا يقوم على التظاهر بالأدب ، أو على التكيف السلبي من أجل التعايش الاجتماعي ، وإنما هي تجعل المسلم يعود إلى ذات نفسه ، وإلى المبادئ الخلقية التي يلتزم بها في جميع أنماط سلوكه مثل الصدق ، والأمانة ، والعدل ، والرحمة ، والحلم ، والحرية وغير ذلك من أمهات الفضائل الإسلامية ، المرتبطة ارتباطا وثيقا بحقيقة الإيمان .
ولذلك نستطيع أن نقول بأن تربية الإمام الصادق تمتاز بأنها تنطلق من الداخل إلى
هامش
( 1 ) محمد حسين فضل اللّه ، خطوات على طريق الإسلام ، دار التعارف ، بيروت ، ط 5 ، 1986 م ، ص 24 .