تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
على أساس اكتساب الحقوق والمصالح ، لن تثمر سوى المزيد من المشكلات للمجتمع وتوسيع رقعة الخلافات والأحقاد والفوضى ، بينما النظام التربوي الذي يخصص الأولوية لأداء التكاليف ، ويشدد على النهوض بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق ، يمكنه تربية إنسان يفكر بمسؤولياته قبل أي شيء ، وهذا ما يفضي طبعا إلى انتشار روح المحبة والأخوة والإيثار بين أفراد المجتمع .

* البدء بالنفس

يمتاز المنهج التربوي للإمام الصادق بأنه يقوم على مبدأ تربوي أصيل يتمثّل في البدء بالنفس ، ذلك أنّ الفكر يظل معلقا في الفضاء ما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره مبادئ المنهج ومعانيه . من هنا فقد كانت حياة الإمام ترجمة عملية لإرشاداته ، وتجسيدا كاملا لتعاليمه ، ليكون عمله النموذج الصحيح الدقيق لمبادئه النظرية ، فهو يبدأ بتطبيق المنهج على نفسه ثم يأمر بها أتباعه ويدعو الناس إلى الالتزام به ، كمال قال : « إنّي واللّه ما آمركم إلّا بما نأمر به أنفسنا » « 1 » . وكان الصادق على مرأى من الناس وتحت نظر تلاميذه في جميع مجالات الحياة من البيت والطريق والمسجد والمجتمع . وهكذا كان مربيا وهاديا بسلوكه الشخصي قبل أن يكون بالكلام الذي ينطق به حتى يربي الأمة عن طريق القدوة ، فيعتبر نفسه أوّل الناس وأولاهم بتنفيذ ما يدعو إليه . ومن هنا كانت تربيته ذات أثر فعّال وعميق . * * * نستنتج من هذا كلّه أنّ المنهج التربوي لمدرسة الإمام جعفر بن محمد الصادق ، يختزن داخله كل المقومات الضروريّة لصنع الإنسان النموذجي ، الّذي يتوفر على كل الكمالات والذي يعيش التوازن النفسي في أجلى مظاهره ، ويقدر على الفعل الإيجابي داخل ساحات البناء الحضاري والتغيير الاجتماعي . وهذه الذخيرة التراثية التربوية - والتي تستمدّ أهدافها ووسائلها ومحتواها من كتاب اللّه وسنة رسوله الكريم - هي صورة أخرى من تجليات عظمة التربية الإسلامية التي تطرح للبشرية خطّ الحياة والسعادة الأبدية . أسأل اللّه تعالى أخيرا أن يجعل ثواب هذه الدراسة في ميزان حسناتي وحسنات من أحبّ يوم القيامة ،
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
هامش
( 1 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب الحث على طلب الرزق ، ح 8 .
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 414 | حسناء ديالمة