كما قد يشير إلى دور العمل في احتفاظ الإنسان بموقعه ومكانته بين الناس ، فحين قال له أحد تلاميذه : « إنّي هممت أن أدع السوق ، وفي يدي شيء . فقال :
« إذا يسقط رأيك ، ولا يستعان بك على شيء . » « 1 »
وبما أن البطالة تعتبر آفة اقتصادية تفتك بالمجتمع ، فهو يرفع صوته عاليا ليهزّ أعماق المجتمع ويحرّك نواة وعيه وذلك بهدف التحذير من الوقوع في شباك البطالة والكسل فيقول :
« من كسل عما يصلح به أمر معيشته ، فليس فيه خير لأمر دنياه » « 2 » .
فهو يعتبر السعي في تدبير أمر المعيشة معيار الخير لدى الإنسان في دنياه ، فمن كسل عن هذا الأمر فلا خير فيه ، ولا يصلح لأمر الدنيا .
وبينما نرى القوانين الوضعية للبطالة ينبثق من خارج الإنسان ، فإننا نرى الصادق يعمل على معالجة هذه الظاهرة من ذاتية الإنسان حتى يكون دافع الإنسان للعمل نابعا من داخله لا من الخارج .
وللتغلب على هذه الظاهرة الهدّامة وتوجيه ثقافة الناس إلى السعي والجهد ، فإنه ينفي فكرة احتقار بعض الناس لبعض الأعمال ويعلّم أصحابه أن لكل حرفة قيمة اجتماعية ، مهما كان نوعها ، وأن الهوان والضعة في الاعتماد على معونة الناس .
قد روي في هذا الصدد أن رجلا أتى أبا عبد اللّه فقال : « إني لا أحسن أن أعمل عملا بيدي ، ولا أحسن أن أتجر وأنا محارف محتاج ، فقال : اعمل فاحمل على رأسك واستغن عن الناس » « 3 » .
فالإمام يعالج هذه المشكلة بالعمل في حمل المتاع ونقل البضائع وهذا ما لا يحتاج إلى رأس مال كالتجارة ولا إلى الخبرة والممارسة كما في الصناعات ، فهو ينقل ما يريد الآخرون نقله ويأخذ بدله أجرة وبذلك يغنيه عن سؤال الناس ؛ لأن الحرفة مهما كانت بسيطة ومتواضعة ، ترفع قدر الإنسان وتحفظ عليه كرامته من ذل المسألة .
والأمر الذي يجب إمعان النظر فيه ، أن لكل مهنة أخلاقيات خاصة تؤثر على نفس الإنسان وشخصيته ، ذلك لأن مهنة الشخص وإجراءاته ، هو تكرار أعمال معينة ومميزة تتبدل إلى عادات الشخص وسلوكه وتترك أثرا عميقا على ذات الإنسان .
إن الصادق كعالم تربوي لم يغفل عن هذا ، فقد ذكر لأتباعه بعض التأثيرات
هامش
( 1 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب فضل التجارة ، ح 10 .
( 2 ) الحويزي ، تفسير نور الثقلين ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 567 .
( 3 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 22 ، ح 21922 .